1- الأسلوبية بوصفها منهجاً :



إذا كان لكلّ إنسان بصمةٌ يختلف بها عن الآخر ( و إن تقاربت ملامحُ بعضها ) فإنّ الأسلوبَ بصمةٌ لصاحبه نستطيع أن نعرفَه من خلاله.

فالأديب و الكاتبُ عموماً يتخذ لنفسه طريقةً في الكتابة هي حصيلةُ ثقافته و فكره و معتقداته و ذائقته الجمالية، تأخذ شكلَها تباعاً بين أوراقه، فالأسلوب ( طريقةُ الكتابة أو الإنشاء أو طريقةُ اختيار الألفاظ و تأليفها للتعبير بها عن المعاني قصْدَ الإيضاح و التأثير ). (1)

من هنا اهتمّتِ اللسانياتُ الحديثة بدراسة هذا الأمر، فنشأ ما سُمِّيَ علمَ الأسلوب أو الأسلوبية، و عُدّتِ الأسلوبيةُ ابناً شرعياً للبلاغة ( 2 )، إلا أنّ البلاغة علمٌ معياريٌ يرسل الأحكام التقييمية و يرمي إلى تعليم مادته، بينما تنفي الأسلوبيةُ عن نفسها كلَّ معيارية و تعزف عن إرسال الأحكام التقييمية ( 3 )، كما يمكننا أن نلحظَ أنّ البلاغة تحددّ كيف يكونُ الكلامُ جميلاً ذا أثرٍ فنيٍّ فهي تعليمية، على حين أنّ الأسلوبية تتجه إلى النص بعد إنجازه لدراسة ميّزاته الأسلوبية فهي تنحو نحوَ التوصيف و تبتعد عن التقييم كشأن المناهج اللسانية الأخرى. و إذا كانت البلاغةُ ( علماً فيما نتلقّاه بالإحاطة و التعلّم و الإتقان من بحوثها و أبوابها و فروع ذلك – و هي فنٌّ في حسن استعمال هذه الوجوه لرفع قدرة الأداء على الإشراف و العمق و الإغناء و التأثير ) ( 4 ) فإنّ الأسلوبيةَ بوصفها منهجاً له ضوابطُه و آلياتُه كما يقول رومان جاكبسون ( بحثٌ عمّا يتميّز به الكلامُ الفني عن بقية مستويات الخطاب أولاً، و عن سائر أصناف الفنون الإنسانية ثانياً ) ( 5 ) فهي تُعْنى بطريقة القول، و ما يعتريها من مجازٍ و تقديمٍ و تأخيرٍ و انزياح ... إلخ

إذاً نميّز هنا بين الأسلوب بوصفه طريقةً في التعبير، و الأسلوبية بوصفها منهجاً في قراءة النّصوص.

إنّ مقولةَ الأديب الفرنسي بيفون ( 1 ) : ( الرّجل هو الأسلوب ) تدلّ على أنّ اللغة في صياغتها و نظام الأفكار التي تحملها إنما تكشفُ عن شخصية صاحبها ( 2 ).

فالأسلوبُ هو ربطُ الألفاظ إلى بعضها لتشكّل نسيجاً يتسم بمميّزاتٍ تميّزه عن أسلوبٍ آخر، فهو حدَثٌ يمكن ملاحظتُه، ( إنّه لسانيٌّ لأنّ اللغةَ أداةُ بيانه، و هو نفسيٌّ لأنّ الأثرَ غايةُ حدوثه، و هو اجتماعيٌّ لأنّ الآخرَ ضرورةُ وجوده ) ( 3 ).

و قد تناول اللسانيون الأسلوبَ و الأسلوبية تحليلاً و تعريفاً، ولعلّ معظمَها يتفق على أنّ الأسلوبَ طريقةٌ في التعبير و استخدام اللغة، و الأسلوبية منهجٌ وصفيّ للنصوص يتكِئ على البلاغة و لا يقف عند حدودها بل يتخطّاها ليتخذ طابعاً علمياً له أسسه و قوانينه. و قد تأسست قواعدُ الأسلوبية على يد أحد تلاميذ دي سوسير هو ( شارل بالي ) ( 4 ) الذي يرى أنّ اللغة ( تتكون من نظامٍ لأدوات التعبير التي تتكفّل بإبراز الجانب الفكري من الإنسان، و ليست مهمة اللغة مقصورةً على الناحية الفكرية وحدها، بل إنّها تعمل أيضاً على نقل الإحساس و العاطفة ) ( 5 ). فدورُ الأسلوب يكون في إيصال أمرين اثنين: الفكرة و الإحساس، و غاية الأسلوبية هنا الكشف عن الخصائص الفنية المميّزة للنّص، و ربط هذه الخصائص و المميّزات بالدلالات المترتّبة عليها.

إنّ التعامل مع اللغة بتقنية معيّنة تقوم على إخراج المفردة عن معناها المعجمي إلى معنى جديدٍ ذي دلالة يشكّل جزءاً من الأسلوب الذي يتّسم به كاتبٌ ما، ( فالذي يقرأ الأدبَ و منه الشعرُ يدرك بسهولة أنه لعبٌ لغويٌ سواءٌ أكان لعباً ضرورياً تحتّمه إمكاناتُ اللغة المحدودةُ أم كان لعباً اختيارياً ) ( 6 ).

و هذا يعني أنّ المجاز يساعد على إيضاح القصد و التأثير، لذلك يلجأ الكاتب إمّا مضطرّاً إلى هذا لأنّ اللغة العادية لا تكفي لإيضاح ما يجول في نفسه، أو يتخذ هذا المجاز شكلَ التزيين الموظّف و هو ما أطلق عليه الدكتور محمد مفتاح ( لعباً اختيارياً ).

إنّ طريقة استخدام اللغة التي تقف الأسلوبيةُ على خصائصها تعطيها نفسَاً شعرياً، فالكاتب عندما يلجأ إلى أسلوب ٍما قاصداً منه التوضيحَ والتأثير إنّما يستعملُ الانزياحاتِ والاستعاراتِ وأشكالاً أسلوبيةً أخرى كالتكرار والتقديم والتأخير والرمز وغيرها، وهذا ما يجعل اللغةَ تنحو نحوَ الشعرية، يقول أدونيس: ( إنَّ الفرقَ بين لغة الشعر والنثر ليس في الوزن بل في طريقةِ استخدام اللغة، النثرُ يستخدم النظامَ العاديَّ للغة أي يستخدم الكلمةَ لما وُضعت له أصلاً، أمّا الشعرُ فيغتصب أو يفجّر هذا النظام، أي يحيد بالكلمات عما وُضعت له أصلاً )( 1 ). واضحٌ أنَّ أدونيس لا يقصد كلَّ النثر هنا، لأنَّ هناك نثراً يقومُ على اللغة الشعرية، وإنّما المقصودُ بالنثر هنا الذي يستخدم اللغةَ دون انزياح أو استعمال لأساليب البلاغة لأنّه لا يرمي إلى التأثير بل إلى الإيضاح وتبيان المقصود فقط. ومن جانب آخر نجد أنَّ هناك علاقةً قائمةً بين الأسلوبية والشعرية، فشعريةُ جاكبسون مثلاً تدرس ضمنَ نطاقٍ منحى أسلوبيّاً معيّناً يتمثّل هذا المنحى بالأسلوبية التي تقرّر أنّ ماهيّة الأسلوب تتحدّد بنسيجِ الرّوابط بين الطّائفتين التعبيريّتين في الخطاب الأدبي: طاقة الأخبار * وطاقة التضمين ( 2 ).

فالأسلوب الذي هو النسيج الجامع للمفردات يخبر ويضمِّن مقصدَه في إطارٍ من التأثير الذي يساهم في الارتقاء بعملية التفاعل بين المرسل والمتلقي.



2- آليات التحليل الأسلوبي :



إذا كان علمُ اللغة يدرس ما يقال فإنّ الأسلوبية تدرس كيفيةَ ما يقال مستخدمةً الوصفَ و التحليل ( 1 )، و على هذا الأساس يكون توجّهُ الأسلوبية نحو تحليل النص لاستكشاف العنصر التأثيري للأدوات البلاغية التي يوظّفها الكاتبُ في نصّه.

و المهمُّ الإشارةُ إلى أنّ التناول الأسلوبيّ إنّما ينصبّ على اللغة الأدبية لأنها تمثّلُ التنوّعَ الفرديّ المتميّزَ في الأداء بما فيه من وعيٍٍٍ و اختيارٍ، و بما فيه من انحرافٍٍٍ عن المستوى العاديّ المألوف بخلاف اللغة العادية التي تتميز بالتلقائية و التي يتبادلها الأفراد بشكل دائم و غير متميّز ( 2 ) .

تستند الأسلوبية إلى ازدواجية الخطاب حيث نجد مجموعةً من الألفاظ يمكن للمتكلّم أن يأتيَ بواحدٍ منها في كلّ جملة من جمل الكلام ( 3 )، و يمكن أن تقومَ واحدةٌ مكان الأخرى ،فاختيارُ المتكلّم و الكاتب ( المرسل ) هذه المفردةَ دون الأخرى يخضع لخصوصية أسلوبه، فتدرس الأسلوبية هذا الاختيارَ و تبيّن دلالتَه و أثرَه الفنيَّ في المرسَل إليه، فمجالُ الأسلوبية يكون مقتصراً على مكوِّنات النص الداخلية فلا يتعدّاها إلى ما هو خارجيّ من العوامل المؤثرة.

و ينطلق البحثُ الأسلوبيّ في مقاربته النصَّ الأدبيّ من المقولات الآتية:

الاختيار - التركيب - الانزياح

ً1- الاختيار :

يقصد به انتقاءُ المنشئ لسماتٍ لغويةٍ معيّنة بغرض التعبير عن موقفٍ معيّن ( 4 )، و هذا الانتقاء يجعل من الأسلوب عملاً واعياً لأنّ اختيارَ المبدع هذا اللفظَ أو التركيب دون غيره إنّما لأنّه أقدرُ على حمل مراده إلى حيّز الورق حسبَ تقدير هذا المبدع.

و للاختيار صورٌ متعدِّدةٌ ،فمنها ما يُختار على مستوى اللفظ أو المعجم و منها على مستوى التركيب ( النحو ) فيغدو الأسلوبُ بذلك استثماراً و توظيفاً للطاقات الكامنة في اللغة ( 5 ) .

و من صور الاختيار ما ينشأ من التعبيرات المجازية و هذا يتجاوز المفردة لينظر إلى التركيب مجملاً، فمن أمثلته قول بشارة الخوري:

انشروا الهولَ و صبُّوا نارَكمْكيفما شئْتُمْ فلن تلقَوْا جبَانا

يمكن أن نجدَ على محور الاختيار فيما يتعلّق بالتركيب ( صبّوا نارَكم ) بدائلَ كثيرةً مثل: أطلقوا، ارموا، اقذفوا، صبّوا ... إلخ، لكنّ الشاعرَ آثر( صبّوا) ظنّاً منه أنّ الفعلَ (صبّ) الذي يوحي بالغزارة يمكن أن يؤدّيَ المرادَ أكثرَ ممّا تؤدّيه بقيةُ الأفعال المنتظرة على جدول الاختيار.

2ً- التركيب :

يقوم التركيب بنظم الكلمات المختارة في الخطاب الأدبي متوسّلاً في ذلك بعمليتي الحضور و الغياب، الحضور للكلمات المختارة و الغياب للكلمات الأخرى المصفوفة في جدول الاختيار، و الدخول في علاقة جدلية أو استبدالية، فالكلمات الأخرى تتوّزع غيابياً في شكل تداعيات للكلمات المنتمية لنفس الجدول الدلالي ( 1 ).

( إنّ صورة الغياب هذه تعطي للأفعال معانٍ* إضافيةً لأنها بالنصّ دائماً حافّةٌ، كما تعطيها أيضاً قيمةَ الشهادة على أسلوبية الجملة ) ( 2 ).

فالتحليل هو دراسة الانسجام الحاصل بين المفردات و الأثر الجمالي و الفني الذي يتركه في ذهن المتلقّي، و على هذا يكون الأسلوبُ عند ( جاكبسون ) تطابقاً لجدول الاختيار على جدول التأليف أو التركيب ( 3 ).

إنّ الدّرسَ الأسلوبيّ لا يقف عند توصيف بنية التركيب في الخطاب الأدبي بل يستقصي من خلال ما يتفرّع عنها من أشكالٍ تعبيرية كالتقديم و التأخير و الحذف و الذكر و التعريف و التنكير ... إلخ فكلّ شكلٍٍ من هذه الأشكال هو خاصيةٌ أسلوبية ذاتُ دلالة خاصّة بتركيبها ضمن النّسق اللغوي.



3ً- الانزياح :

ورد مصطلحُ الانزياح كثيراً في الدراسات القديمة و الحديثة و اتخذ أكثر من تسمية منها الانحراف و العدول و الإبداع و التغيير و الخروج ... إلخ ( 1 ). و هو يُعدُّ مؤشّراً على أدبيّة النصّ و شهرته لأنّ الخروج عن النسيج اللغوي العادي في أيّ مستوى من مستوياته ( الصّوتي، التركيبي، الأسلوبي، البلاغي ) يمثّل بحدّ ذاته حدثاً أسلوبياً ( 2 ).

و الانزياحُ هو الرّكن الذي بني عليه جان كوهن كتابَه ( بنية اللغة الشعرية ) إذ عدّ الانزياح مبدأ الشعرية، و الانزياحُ لا يكون شعريّاً إلا إذا كان محكوماً بقانون يجعله مختلفاً عن غير المعقول ( 3 )، و هذا ما يتجلّى في علاقةٍ مفردةٍ ما مع المفردات الأخرى ضمن السّياق، فكلمة ( السّماء ) لا تشكّل انزياحاً إلا إذا أُسند إليها فعلٌ لم يعتدْ أن يُسندَ إليها مثل ( بكت ) ليتشكّل انزياحٌ يُسمّى في البلاغة استعارةً ،فعلاقة( السّماء) مع (بكت) يمكن دراستُها ضمن مجال الدّرس الأسلوبي، فوظيفتُه أي ( علم الأسلوب ) تبيانُ الوظيفة التأثيرية و الجمالية و الدّلالية لهذا الانزياح.