قال ابن القيم في "الزاد" (4/42) ما مختصره:"في الصحيحين مِن حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قدِم رهطٌ من عرينة وعكل على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاجْتَووا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((لو خرجتُم إلى إبل الصدقة فشربتُم مِن أبوالها وألبانها))، ففعلوا، فلما صحُّوا، عمَدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربو اللهَ ورسولَه، فبَعث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في آثارهم، فأخذوا، فقُطِع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألْقاهم في الشمس حتى ماتوا"؛ أخرجه البخاري في الجهاد (ح: 3018)، ومسلم في القسامة والمحاربين (ح: 1671). والاستسقاء: مرَض مادي سببه مادةٌ غريبة بارِدة تتخلَّل الأعضاء فترْبو لها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإمَّا المواضع الخالية مِن النواحي التي فيها تدبيرُ الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحْمي - وهو أصعبها - وزقي، وطبلي. ولما كانتِ الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدويةَ الجالبة التي فيها إطلاق معتدل، وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمَرَهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بشربها، فإنَّ في لبن اللقاح جلاءً وتليينًا، وإدرارًا وتلطيفًا، وتفتيحًا للسدد، ثم قال:وهذا المرض لا يكون إلاَّ مع آفة في الكبد خاصَّة، أو مع مشاركة، وأكثرها عن السَّدد فيها، ولبن اللقاح العربية نافعٌ مِن السدد؛ لما فيه من التفتيح، والمنافع المذكورة. قال الرازي: لبن اللقاح يَشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج، وقال الإسرائيلي: لبن اللقاح أرقُّ الألبان، وأكثرها مائيةً وحدَّة، وأقلها غذاء؛ فلذلك صار أقواها على تلطيفِ الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السدد، ويدلُّ على ذلك ملوحتُه اليسيرة التي فيه لإفراطِ حرارة حيوانية بالطبع؛ ولذلك صار أخصَّ الألبان بتطرية الكبد، وتفتيح سددها، وتحليل صلابة الطِّحال إذا كان حديثًا، والنفع من الاستسقاء خاصَّة إذا استعمل لحرارته التي يخرُج بها من الضرع مع بولِ الفصيل، وهو حارٌّ كما يخرج مِن الحيوان، فإنَّ ذلك مما يَزيد في ملوحته، وتقطيعه الفضول، وإطلاقه البطن، فإن تعذَّر انحداره وإطلاقه البطن، وجَب أن يطلق بدواء مسهِّل. وقال صاحب القانون: ولا يلتفت إلى ما يُقال: مِن أنَّ طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء، قال: واعلمْ أنَّ لبن النوق دواءٌ نافع؛ لما فيه مِن الجلاء برفق، وما فيه مِن خاصية، وأنَّ هذا اللبن شديد المنفَعَة، فلو أنَّ إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطعام شُفِي به، وقد جُرِّب ذلك في قوم دفعوا إلى بلادِ العرب، فقادتهم الضرورةُ إلى ذلك، فعوفوا، وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي، وهو النَّجيب". اهـ.