الغضب وكيفية علاجه
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 4 من 7

الموضوع: الغضب وكيفية علاجه

  1. #1
    مشرفة سابقة محررة بيت حواء الصورة الرمزية غربة مشاعر
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    في مركب الغربه
    المشاركات
    2,314
    معدل تقييم المستوى
    18

    الغضب وكيفية علاجه

    [align=center]السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

    الغضب وكيفية علاجه

    في ضوء السنة النبوية

    عبدالله حسن الشريف

    المقدمة:
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ به تعالي من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
    (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاتهِ ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون)(1)(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلُون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (2)(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) (3) أما بعد:
    لقد وهب اللّهُ تعالى الإنسانَ من الإمكانات والمواهب والملكات ما استطاع به أن يُحلِّق في الفضاء ،وأن يغوص في أعماق الماء ، وأن يُسخِّرالموجودات ، .... وهو ـ مع هذا كله ـ تستفزُّه كلمة عابرة ،ويثيره خطأ غيرمقصود قد يقع عليه , فيثورويغضب،وتستخفُّه التوافه من الأمور،فيستحمق على عجل، ويحاول أن ينتقم لنفسه ويغضب لها ويثأر,وسرعة الغَضَب آفة خطيرة يفقد المرء فيها السيطرة على نفسه ، وربما اعتدى على غيره بلسانه أو بيده، فيندم.
    إن من شأن المسلم ذي الإرادة القوية أن يملك نفسه في المواقف المثيرة ، ويتذرع بخلق الحلم والأناة ، والإسلام لا يُغفل فطرة الإنسان في الرد على الغير عندما يسعى لإذلاله أو إهانته . وإيقافه عند حده فهذا من فطرة الإنسان , ولكنه يوجه النفس إلى الحلم والأناة حتى عند الرد على الخصوم .عندما ينال منها لكي يسمو بها ويرتقي بها في صفات الكمال , حتى يكون الإنسان هو المتحكم بها, فيرشده إلى أقوم الطرق التي يحقق بها الخير والنفع له و للمجتمع .
    وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلنا إلى تعلم كيف يسيطر الإنسان على غضبه , ومتى يكون الغضب محموداً ومتى يكون مذموماً, وقد اخترت هذا البحث , نظرا لما يعيشه جزء من مجتمعنا من أزمةً في الأخلاق , وسرعة الغضب على توافه الأمور , وعدم الصبر حتى على صغائر الأمور, ورغبتةً مني في الخوض في هذا الموضوع لمساعدة نفسي أولاً على تعديل وتوجيه سلوك الغضب لدي , ولإخواني من المسلمين .




    التعريف:لغةً : غَضِبَ يَغْضَبُ غَضَباً ، قال ابن فارس:(الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة). (1)
    وقال القرطبي - رحمه الله تعالى- «والغضب في اللغة : الشدة ، ورجل غضوب أي شديد الخلق ، والغضوب الحية الخبيثة لشدتها , والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها»(2)
    اصطلاحاً: عرفه الجرجاني بأنه : «تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر» (3) ، وعرفه الراغب : «ثوران القلب إرادة الانتقام» (4)، وعرفه الغزالي : «غليان دم القلب بطلب الانتقام»(5).
    وعُرَّف الغضب بأنه «ثورانٌ في النفس يحملها على الرغبة في البطش والانتقام»(6). وقد يُعرَّف بأنه «حالةٌ نفسيةٌ انفعالية تُصيب الإنسان»(7)
    والمعنى أن الغضب طبعٌ بشريٌ فطريٌ يؤدي بصاحبه إلى الثوران والانفعال ، وعدم القدرة على التحكم في أقواله وأفعاله غالباً .
    وجاء في إصلاح المجتمع للبيحاني : «إن الغضبان أول ما يجني على نفسه فتقبح صورته ، وتتشنج أعصابه ، ويفحش كلامه ، ويزيد على ظلمه انتقامه ، وقل أن تراه إلا وهو شعلة من نار يأكل بعضها بعضاً». (8)
    والغيْظُ :هو الغَضب، وقيل: الغيظ غضب كامن للعاجز، وقيل: هو أَشدُّ من الغضَب، وقيل: هو سَوْرَتُه وأَوّله.
    وقال اللّه تعالى : «تكاد تمَيَّزُ من الغيظ»(1) ؛ أَي من شدَّة الحرِّ.وقوله تعالى : «سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً»(2) ؛ قال الزجاج: أَراد غَلَيان تَغَيُّظٍ أَي صوت غليان(3).
    وحقيقة الغضب هي حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة الانتقام والغضب غريزة في الإنسان مهما قصد أو نوزع في غرض ما , اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم , لأن البشرة تحكي لون ما وراءها , إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب , فيصفر اللون خوفاً , وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط يحمر ويصفر,وفي الجملة أن الغضب هو جماع الشر وأن التحرز منه هو جماع الخير.


    الفصل الأول : طبيعة الغضب ومنشؤه في ضوء السنة

    المبحث الأول : طبيعة الغضب ومنشؤه.
    عن أبى سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم . أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه . فمن أحس بشيء فليلتصق بالأرض»(1)
    وقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (2) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»(3) وفي حديث عروه عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلا. قالت فغرت عليه. فجاء فرأى ما أصنع. فقال "مالك؟ يا عائشة! أغرت؟" فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقد جاءك شيطانك؟" قالت: يا رسول الله! أو معي شيطان؟ قال "نعم" قلت: ومع كل إنسان؟ قال "نعم" قلت: ومعك؟ يا رسول الله! قال "نعم. ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم».(4)
    هذه الأحاديث تبين طبيعة الغضب ومكامنه فى الإنسان , و الصورة الباطنة والظاهرة لانفعال الغضب الذي يعتري الإنسان ويعرض له في أحواله وتقلباته الدنيوية , وتتحدد هذه الجوانب في انفعال الغضب في التفسيرات الآتية:
    أن للغضب طبيعة نارية متوقدة داخل النفس تعبر عن ذلك بمظاهر أقرب ما تكون للنار في حرارتها ولونها ومفعولها وآثارها , وأن له تعبيرات نابعة من هذه الطبيعة يمكن الاستدلال بها عليه , مثل احمرار العين , وانتفاخ الأوداج.
    أنه من الشيطان , وأن الشيطان قرين الإنسان الملتصق به , وربما جرى منه مجرى الدم كما في الحديث المذكور سابقاً . والشيطان خلق من نار , فهو ذو طبيعة نارية, يقبس الغضب في نفس الإنسان ويذكيه . وقد قال تعالى عن أصل خلق الشيطان:(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ )(1) فكون الشيطان من النار وكون الشيطان مقارن للإنسان متابع له , كل ذلك يبين بعضاً من العمليات الداخلية الخفية الدافعة للغضب والمؤثرة فيه.
    أن الغضب أمر غريزي , وطبع جبلي, ينشأ عنه و به تغيرات عضوية من حرارة وتقلص في العضلات , وإفرازات غدية , واستعداد للمقاتلة والمواجهة . وأن لهذا حرارة داخلية كامنة , يحسها من اشتد غضبه كما يحس الجائع أو العطشان بجوعه أو عطشه .
    والغضب كطبع غريزي واستعداد جبلي يختلف عن العدوان وعن السلوك العدواني , إذ العدوان ليس غريزة عند الإنسان , فالإنسان مفطور على التوحيد والسلامة قال تعالي : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) (2).
    والمولود يولد على الفطرة وهي التوحيد , فعن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(3) .والتوحيد أصل كل خير وبر . وبهذا لا يمكن أن يكون العدوان غريزة وجبلة فيه , بل الجبلة التوحيد ثم تأتي العوامل البيئية لتحرفه عن أصل الخير وتغرس فيه الشر والعدوان وغيرهما .
    04 أن الغضب في حال استثارته وشدته يملأ النفس ويستولي عليها , ويأخذ بلبها وأطرافها , ويكاد أن يغطي العقل , ويعمي البصيرة , ويضعف التفكير , ويكون في النفس من الفورة والغليان والتحول والجيشان ما هو قابل للزيادة والنمو , وذلك لما يقوم عليه من استعدادات وقابلية لا ترفض ذلك الجيشان في أصل الطبع , ولهذا جاء وصف إيقاف الغضب ورده بالكظم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من أي الحور العين شاء ) (1) والكظم يعني الإجتراع (2) وجاء الجزاء على الكظم عظيماً أيضاً , لما فيه من معاناة لكبح , ملك النفس والفوارة.
    05 أن للغضب علاقة بالكبر والاستعلاء فهو مشوب ومرتبط بهما , فمنشؤه النار والشيطان وقد بين الله تعالى فى أكثر من موقع فى القران كبرياء الشيطان واستعلاءه , وفخره بأن أصل خلقه من النار ذات البأس والشأن قال تعالى : «قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين . قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»(3) , فالغضب والكبر طبيعتان مقترنتان في أكثر الأحيان , تغذي إحدهما الأخرى , وذلك لما في أصل الكبر والغضب من التصاحب والتناسب.

    الفصل الثاني : أنواع الغضب ودرجاته في ضوء السنة

    المبحث الأول: الغضب المحمود (الواجب):
    وهو ما كان لله- تعالى- عندما تنتهك محارمه ، وهذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان إذ أن الذي لا يغضب في هذا المحل ضعيف الإيمان , فا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- لا يُعرف غضبه إلا إذا نتُهيكة محارم الله تعالى- فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - شيئا قط بيده ، ولا امرأة ، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله -عز وجل-(1).
    ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على أصحابه وهم يختصمون في القَدَر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب فقال : ( بهذا أمرتم ؟ أو لهذا خلقتم ؟ تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم) فقال عبد الله بن عمرو : ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه .(2)
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل عليِ رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل , فلما رآه هتكه , وتلون وجهه وقال : يا عائشة : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله)(3) القرام : الستر الرقيق.
    ومن ما يدل على الوعيد الشديد لمن لا يغضب عندما تنتهك حرمات الله , قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)(1).
    والغضب المحمود، علامة على قوة الإيمان ، وهو ثمرة لحفظ الأوطان ،وسلامة الأبدان ، وتظهر ثمرة الغضب بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والرد على الشبهات أما السكوت المطبق مع القدرة على التغيير فسبب للهلاك فعن زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها - أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- استيقظ من نومه وهو يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) - وحلق بأصبعه وبالتي تليها - قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال :(نعم إذا كثر الخبث)(2).
    وكذلك من الغضب المحمود : الغضب لما يحدث للمسلمين من سفك للدماء ، وانتهاك للأعراض ، واستباحة للأموال ، وتدمير للبلدان بلا حق ,ويتضح من هذه الأحاديث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب وفي الوقت نفسه لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله ؛ ولهذا الغضب حدود لا يُخرِجُ الإنسانَ عن وضعه الطبيعي حال هدوئه و إلا نتقل هذا الغضب من كونه محموداً إلى كونه مذموماً.
    المبحث الثاني :الغضب المذموم:
    وهو ما كان انتقاماً للنفس , وهذا الغضب يترتب عليه نتائج خطيرة على الإنسان ذاته وعلى مجتمعه , وهو الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو هريره رضي الله عنه قال : إن رجلاً قال للنبي صلي الله عليه وسلم أوصني قال : (لا تغضب , فردد مراراً :لا تغضب) (3)

    المبحث الثالث : الغضب المباح وهو الغضب في غير معصية الله ـ تعالى- ولم يتجاوز حدَّه كأن يجهل عليه أحد , وكظمه هنا خير وأبقى قال تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(1) .
    قال ابن حبان –رحمه الله تعالى- " والخلق مجبولون على الغضب ، والحلم معا ، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد " ا.هـ (2)

    المبحث الرابع درجات الغضب:
    هي التفريط ، والإفراط ، والاعتدال(3)،ونأتي إلى بيان كل درجة منها بإيجاز :
    أولاً : التفريط : وهو أن يفقد قوة الغضب أو ضعفها ، وهذا مذموم ، وهو الذي يقال فيه : إنه لا حَمِيَّة له ، ولذلك قال الشافعي : « من اُستُغْضِبَ فلم يغضبْ فهو حمار » ، فهذا قد فَقَدَ معنى الغَيْرَة والعِزَّة ، ورضي بقلة الأنفة واحتمال الذل .
    ثانياً : الإفراط : وهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته ، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ، ولا نظر ، ولا فكرة ، ولا اختيار ، وسبب غلبته أمور غريزية ، وأمور اعتيادية .
    ثالثاً : الاعتدال : وهو الغضب المحمود ، بأن ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعثَ حيث تجبُ الحَمِيَّةُ ، وينطفئُ حيث يَحْسُنُ الحلمُ وحفظُهُ على حد الاعتدال والاستقامة التي كلف الله تعالى بها عباده وهو الوسط .

    يتبع
    [/align]
    [align=center][/align]

  2. #2
    مشرفة سابقة محررة بيت حواء الصورة الرمزية غربة مشاعر
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    في مركب الغربه
    المشاركات
    2,314
    معدل تقييم المستوى
    18
    [align=center] الفصل الثالث: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    المبحث الأول: هدي النبي فى الغضب
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم رأفته ,ورحمته وشفقه , وعفوه , وصفحه ,يغضب, ولكن غضبه كان لله عز وجل , فكان لا يصبر على أمر تنتهك فيه حدود الله وحرماته ,وكان صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه قط كما قالت عائشة رضي الله عنها :(وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه , إلا أن تنتهك حرمة الله , فينتقم لله عز وجل)(1)0
    ومما يدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أعرابي , فأخذ بردائه, فجبذه جبذةً شديدة , حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جذبته . ثم قال : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فضحك وأمر له بعطاء) (2)
    وعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (اللهم أيما عبد مؤمن سببته فاجعل ذلك قربة إليك يوم القيامة) وفي بعض ألفاظ الحديث :(إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر , وأغضب كما يغضب البشر , فأيما مؤمن سببته أو لعنته فاجعلها له زكاة).(3)
    وعن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالوا : ومن يجراىء عليه إلا أسامة حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكلمه أسامة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد , و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(1)
    وإذا تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب , فإن غضبه لم يكن يتجاوز الحق والصدق والعدل, فلم يكن يعاقب إلا على قدر الجناية , ولم يكن يخرجه الغضب عن الحق والصدق والمعروف , ومما يؤيد ذلك أن عبدالله بن عمر قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه , فنهتني قريش , وقالوا : أتكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : (اكتب , فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) (2). وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً, فقال رجل : أن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فحمرّ وجهه وقال : (رحمة الله على موسى, لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)(3)
    وهكذا كان هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في غضبه, يتجرع كؤوس الصبر على الأذى , ولا ينتقم لنفسه , ولا يتأثر لذاته . أما إذا تعلق الأمر بالله عز وجل ودينه وشرائعه , فكان يغضب لله عز وجل .

    المبحث الثاني : شواهد من غضب النبي صلى الله عليه وسلم
    الشواهد والمواقف على غضب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حقوق الله كثيره وأسرد بعض هذى المواقف من سيرته صلى الله عليه وسلم لما فيها من العبر والفوائد العظيمة والمنجية بأذن الله من عواقب الغضب فى غير الله .
    01غضبه صلى الله عليه وسلم بسبب انشغال الفاروق (عمر) رضي الله عنه بقراءة التوراة فعن جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة , فقال : (يا رسول الله هذه نسخة من التوراة) فسكت , فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير . فقال أبو بكر رضي الله عنه : (ثكلتك الثواكل , ماترى بوجه رسول الله صلى الله عنه ؟) فنظر عمرــ رضي الله عنه ــ إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : (أعوذ بالله من غضب الله , ومن غضب رسوله , رضينا بالله ربا, وبالإسلام دينا , وبمحمد نبيا) , فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ولو كان حيا وأدرك نبوتي لا تبعني) (1)
    02عن أبي مسعود الأنصاري ــ رضي الله عنه ـ قال: قال رجل:يا رسول الله ! لا أكاد أدرك الصلاة مما طول بنا فلان ؟ــ فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً من يومئذ ــ فقال :(أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس , فليخفف , فإن فيهم المريض, والضعيف , وذا الحاجة) (2)
    03عن أبي موسى ــ رضي الله عنه ــ قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم , عن أشياء كرهها, فلما أُكثر عليه , غضب ثم قال :(سلوني عما شئتم) قال رجل : من أبي ؟ قال : (أبوحذافة) , فقام آخر فقال : من أبي يا رسول الله ؟ قال :(أبوك سالم مولى شيبة) فلما رأى عمر ما في وجهه , قال: يا رسول الله ! إنا نتوب إلى الله عزوجل.(1)
    04 عن زيد بن خالد الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة، فقال: (اعرف وكاءها، أو قال وعاءها، وعفاصها، ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه). قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه، أو قال احمر وجهه، فقال: (وما لك ولها، معها سقاءها وحذاؤها، ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها).(2)
    05 علي رضي الله عنه قال: أهدى إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي.(3)
    06 عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة، أو حصيراً، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها، فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته، ثم جاؤوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضباً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة).(4)
    07 عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، رأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بيده، فتغيظ، ثم قال: (إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله حيال وجهه، فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة). (5)

    08 قال أبو مسعود البدري: كنت أضرب غلاما لي بالسوط. فسمعت صوتا من خلفي (اعلم، أبا مسعود!) فلم أفهم الصوت من الغضب. قال: فلما دنا مني، إذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا هو يقول (اعلم، أبا مسعود! اعلم، أبا مسعود!) قال: فألقيت السوط من يدي. فقال (اعلم، أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) قال فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا.(1)
    09عن مسروق، عن عائشة. قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر. فتنزه عنه ناس من الناس. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب. حتى بان الغضب في وجهه. ثم قال "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية".(2)
    010 عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو واقف على الباب: يا رسول اللّه، إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم" فقال الرجل: يا رسول اللّه، إنك لست مثلنا، قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال: "واللّه إنِّي لأرجو أن أكون أخشاكم للّه وأعلمكم بما أتبع".(3)

    الفصل الرابع: التحذير من الغضب في ضوء السنة

    المبحث الأول: وصية النبي بعدم الغضب في ضوء السنة
    عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني ، قال : لا تغضب ، فردد مراراً قال : لا تغض ((1), وزاد الطبراني (ولك الجنة). وزاد أحمد وابن حبان: (قال الرجل : تفكرت فيما قال , فإذا الغضب يجمع الشر كله).
    ما أجمل الإسلام ، وما ألطفه ، وما أحسن آدابه ، وما أروع تربيته النابعة من مشكاة النبوة ، تلك التربية التي جاء بها أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية ، ليحدد معالم الشخصية المسلمة ، وليقيم أركان المجتمع المثالي المسلم .
    قال الخطابي : معنى (لا تغضب) اجتنب أبواب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه , وأما نفس الغضب , فلا يتأتى النهي عنه , لأنه أمر جبلي. وقيل المنهي عنه الغضب المكتسب , وقيل : المعني: لا تفعل ما يأمرك به الغضب , وقيل : هو أمر بالتواضع , لأن الغضب إنما ينشأ عن الكبر لكونه يقع عند مخالفة ما يريده , فيحمله الكبر على الغضب , وقيل : لأن السائل كان غضوباً , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به , فاقتصر فى وصيته على ترك الغضب . قال ابن التين : ( جمع صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لا تغضب ) خير الدنيا والآخرة , لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين)(2), وقال الجرداني : إن هذا الحديث عظيم ، وهو من جوامع الكلم ، لأنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة وقال ابن رجب : إن هذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر ، وأن التحرز منه جماع الخير؛وفضل هذا الحديث انه من جماع آداب الخير والذي اختصر فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم الوصية لمن طلبها منه في قوله : " لا تغضب " . (1)؛ ومناسبة هذا الحديث ورد أن رجلاً قيل هو أبو الدرداء رضي الله عنه وقيل هو جارية بن قدامة رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يوصيه بما ينفعه في الدنيا والآخرة ، فأجابه معلم الناس الخيرـ صلى الله عليه وسلم ـ بعبارة مختصرة ، قال فيها : " لا تغضب " ومعنى ذلك أي لا تنفذ غضبك ، فليس النهي هنا راجعاً إلى حالة الغضب فهي حالة نفسية وطبع بشرى لا يمكن للإنسان دفعه أو الإمتناع عنه ، إلا لمن أراد الله سبحانه . ولكن النهي هنا يعني اجتناب أسباب الغضب وعدم التعرض لما يجلبه ويسببه .
    أما إذا حصل الغضب فلا تعمل بمقتضاه بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به فيندفع عنك شر الغضب، وربما سكن غضبك وذهب عاجلاً وكأنك حينئذ لم تغضب , ومن ذلك العمل بالأسباب التي تتخذ للوقاية من وقوع الغضب والتي سوف نوردها فى هذا البحث أن شاء الله.
    ونخلص من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامعة الشافية الوافية بأنه يجب على المسلم اجتناب أسباب الغضب ودواعيه لأنه عدو خطير للإنسان المسلم حينما ينقاد لهوى النفس الأمارة بالسوء وقواها الشريرة ، حتى قال بعض السلف : (أقرب ما يكون العبد من غضب الله عز وجل إذا غضب ) .

    يتبع
    [/align]
    [align=center][/align]

  3. #3
    مشرفة سابقة محررة بيت حواء الصورة الرمزية غربة مشاعر
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    في مركب الغربه
    المشاركات
    2,314
    معدل تقييم المستوى
    18
    [align=center]المبحث الثاني: فضل كظم الغيظ فى ضوء السنة:
    يقال كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره ومنه كظمت السقاء إذا ملأته والكظامة ما يسد به مجرى الماء وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه وتلك صفة يمتاز بها المؤمنون قال تعالى : (وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ((1).
    عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ((2), وحديث سليمان بن صرد قال : " استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد أحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فقالوا للرجل : ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لست بمجنون(3).
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه ما الصرعة ؟ قالوا : الصريع الذي لا تصرعه الرجال فقال صلى الله عليه وسلم : " الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه و يحمرو جهه و يقشعر شعره ، فيصرع غضبه(4) .
    وعن سهل بن معاذ، عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه اللّه عزَّ وجلَّ على رءُوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخَيَّره اللّه من أيِّ الحور العين شاء) (5).
    وهذا فيه بُعدٌ تربويٌ يُشجع المسلم على التحكم في انفعالات النفس ، وعدم الاستجابة لها ، كما أن فيه تعويدٌ لها على قهر الغضب ، والعمل على عدم إنفاذه رغبةً فيما أعدَّه الله تعالى لمن ابتغى بذلك الأجر والثواب .
    وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله عز وجل من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى.(1)
    وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا فأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثا ألا إن عمل النار سهل بسهوة والسعيد من وقي الفتن وما من جرعة أحب إلي من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا. (2)
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ((3) قال الرضا بلا عتاب و الصبر عند الغضب و قال صلى الله عليه و سلم : ( أشدكم من غلب نفسه عند الغضب و أحلمكم من عفا عند القدرة ( وقال عمر رضي الله عنه ) : من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله تعالى لم يفعل ما يريد( , ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كظم الغيظ والعفو عن الناس أنه بعد أن حزن حزناً شديداً لمقتل عمه حمزة وحتى لقبه بسيد الشهداء , إلا أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ عندما رأى (وحشى بن حرب) قاتل حمزة بن عبدالمطلب يوم أحد , قال له ـ وقد أسلم ـ : (آنت وحشي)؟ قال ـ وحشي ـ : نعم , قال :(أنت قتلت حمزة) , قال ـ وحشي ـ :قد كان من الأمر ما بلغك , قال: (فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟)(4) قال ـ وحشي ـ : فخرجت .
    ومن مواقفه صلى الله عليه وسلم فى كظم الغيظ والعفو ما رواه جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما أدركته القائلة، وهو في وادي كثير العضاه، فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا، فإذا أعرابي قاعد بين يديه، فقال: (إن هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، مخترط صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشامه ثم قعد، فهو هذا). قال: ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1),ومن صفات المؤمنين كظم الغيظ لوجه الله وابتغاء مرضاته ومن ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً استأذن على عمر رضي الله عنه، فآذن له، فقال له‏:‏ يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه، حتى هم أن يوقع به فقال الحر بن قيس‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ‏:‏ ‏)خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين‏(‏(2), وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل‏. (3)
    ومما يُذكر هنا أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء , فتهيأ للصلاة , فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه , فرفع علي بن الحسين رأسه إليها ، فقالت الجارية : إن الله -عز وجل - يقول :(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها : قد كظمت غيظي . قالت (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقال لها : قد عفا الله عنك . قالت : (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال : اذهبي فأنت حرة (4)



    الفصل الخامس: حكم تصرف الغضان

    قال ابن حبان - رحمه الله تعالى- " لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب " ا.هـ (1) . ومن دلالة السنة على حكم تصرف الغضان حديث عائشة ــ رضي الله عنهاــ أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) (2) وفسر جمع من أهل العلم كأحمد وأبي داود وغيرهم الإغلاق بالغضب، والطلاق في حال الغضب له ثلاثة أحوال :
    إحداها : إذا اشتد الغضب حتى يفقد الشعور ، ويكون كالمجنون والمعتوه ، فهذا لا يقع طلاقه عند جميع أهل العلم ، لأنه بمثابة المجنون والمعتوه ، زائل العقل.
    الحال الثانية : أن يشتد معه الغضب ولكنه يفهم ما يقول ويعقل ، إلا أنه اشتد معه الغضب كثيراً ، ولم يستطع أن يملك نفسه لطول النزاع أو المسابة والمشاتمة أو المضاربة وقد اشتد الغضب لأجل ذلك ، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم ، والأرجح أنه لا يقع أيضاً ، للحديث(لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) والإغلاق فسره العلماء بأنه الإكراه والغضب الشديد كما ذُكر.
    الحال الثالثة : وهي الغضب الخفيف ، وهو الذي يحصل منه تكدر من الزوج ، وكراهة لما وقع من المرأة ، ولكنه لم يشتد معه شدة كثيرة تمنعه من التعقل ، والنظر لنفسه ، بل هو غضب عادي خفيف فهذا يقع منه الطلاق عند جميع أهل العلم . هذا هو الصواب في مسألة طلاق الغضبان ، بهذا التفصيل ، كما حرر ذلك ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما في كتابه إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان. ومن دلالة السنة أيضاً ما رواه احمد والحاكم في مستدركه من حديث عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين( , وهو حديث صحيح له طرق .ووجه الاستدلال به انه الغي وجوب الوفاء بالنذر إذا كان في حال بالغضب مع أن الله سبحانه وتعالى أثنى على الموفين بالنذور وأمر النبي الناذر لطاعة الله بالوفاء بنذره وقال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه , وترتب الكفارة عليه لا يدل على ترتب موجبه ومقتضاه عليه والكفارة لا تستلزم التكليف ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون إذا قتلا صيدا أو غيره وتجب على قاتل الصيد ناسيا أو مخطئا وتجب على من وطئ في نهار رمضان ناسيا عند الأكثرين فلا يلزم من ترتب الكفارة اعتبار كلام الغضبان وهذا هو الذي يسميه الشافعي نذر الغلق ومنصوصه عدم وجوب الوفاء به إذا حلف به بل يخير بينه وبين الكفارة(1), و كتب أبو بكرة إلى ابنه، بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان,فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان).(2) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- " إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد : أحدها : لا يصح و لا ينفذ ؛ لأن النهي يقتضي الفساد . والثاني : ينفذ . والثالث : إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه , وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ "(3)
    و في العموم فأن الغضب لايعذر الغاضب ولا يعفيه عن مسؤولية تصرفاته , كلها معتبرة وعليها أحكام وعقوبات , فإذا أتلف مالآً فإنه يضمن المال الذي أتلفه , وإذا قتل نفساً فإنه يقتص منه , وإذا تلفظ بالكفر فيحكم عليه بالردة عن الإسلام حتى يتوب .
    الفصل السادس : أسباب الغضب فى ضوء السنة.
    بواعث الغضب ، وأسبابه كثيرة جدا ، والناس متفاوتون فيها ، فمنهم مَن يَغضب لأمر تافه لا يُغضب غيره وهكذا ، فمِن بعض أسباب الغضب :
    أولا : العُجب :
    فالعجب بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة إن لم يُعقل بالدين وذلك برده ودفعه فالعجب قرين الكِبْر وملازم له , والكِبْر من كبائر الذنوب فعن عبدالله بن مسعود عن النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ( لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة من كِبر) (1),وقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام )(2) .
    ولهذا فقد كان السلف يُحـذرون من أسبـاب الـعُـجـب ، ولو لم تكن مباشرة فـعـن
    سليم بن حنظلة قال : بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة ، فقال : أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ فقال : "إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع"(3) .
    ثانيا / الظلم :
    من الأسباب التي تولد الغضب لدى الإنسان وتجعله يفكر في الانتقام بأشد ما أوتي من قوة هو تعرضه لظلم الآخرين , والظلم أشكال كظلم الحاكم للمحكوم , والتاجر لعامله , وظلم الناس بعضهم لبعض فيلجأ المظلوم في هذا الحالة للانتقام من الظالم والحصول على حقه , لأنه في خالة غضب لا يفكر في نتائج المترتبة على سلوكه وانتقامه من ظالمه ,ومن ما جاء فى السنة المطهرة في النهى عن الظلم التي هي من بواعث الغضب, أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: (اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب).(1) , وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما. فلا تظالموا.(2) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الظلم ظلمات يوم القيامة)(3) .
    ثالثاً/ المراء :
    عن أبي أمامه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ( أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّاً، وببيتٍ في وسط الجنة، لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه). (4), وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة ويترك المراء وإن كان صادقا). (5), وروى ابن جرير بإسناده عن ابن مسعود وابن عباس : " الجدال المراء تماري صاحبك حتى تغضبه فينتهي إلى السباب " .
    ذُكر عن مالك بن أنس أنه قيل له : يا أبا عبد الله الرجل يكون عالماً بالسنة أيجادل عنها ؟ « قال : لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت وإلا سكت» (6).
    إن المراء يغلق باب الحوار ويلغيه ، لأنه يدفع طرفي الحوار إلى التصور الخاطئ : بأن حوارهما هو مباراة لا تكون نتيجتها إلا قاتل أو مقتول ، فلا يبحث كل منهما عن حقائق أو أدلة ، وإنما يكون بحثه وجهده في محاولة إغراق الآخر في طوفان من الكلام الذي يُضيع الوقت والجهد في غير فائدة ، ويوغر الصدور ، ويكرس الفرقة , ويوقد نار الغضب .
    رابعاً / الحسد:
    أن الحسد من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع فرعه والغضب أصل أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى وقد ورد في ذم الحسد فى السنة النبوية أحاديث كثيره ومنها ما رواه أبي هريرة أن ــ النبي صلى اللّه عليه وسلم ــ قال: (إياكم والحسد؛ فإِنَّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) أو قال: ( العشب) (1), وعن أنس بن مالك أن ــ رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ قال (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا. وكونوا، عباد الله! إخوانا. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)(2). وينشأ الغضب من الحسد لان الحسد حبل قوي من حبال الشيطان يدخل من خلاله إلى نفس الإنسان ويوسوس له ليخرجه من هدوئه واستقراره إلى عالم الغضب والانفعال ويجعل هذا الإنسان الغاضب يتصرف تجاه المحسود سلوكاً له آثاره الضارة والسيئة عليه وعلى المجتمع من حوله.
    خامساً /المزاح :
    عن عبد اللّه بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جده أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جادّاً" وقال سليمان: "لعباً ولا جدّاً" (3).
    المزاح إذا تجاوز الحد المشروع : إما بكلام لا فائدة منه ، أو بفعل مؤذ قد ينتج عنه ضرر بالغ فا في هذه الحالة يكون باعثاً للغضب وموقد لشحنا , وقد نهى النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن المزاح الذي فيه ترويع وتضليل للمسلم ومن ذلك ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:حدثنا أصحاب محمد ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال النبي ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ : (لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُرَوِّعَ مسلماً).(1)
    سادساً / الفقر:
    والفقر همّ يكفي لأن يصيب الإنسان بنوع من الانفعال الداخلي , ويسيطر عليه الهمّ والتفكير الدائم بخاله وحال من يعول , وقد ورد فى السنة المطهرة ما يوضح مسألة الفقر وان له اثر فى حياته الإنسان وبعثاً للغضب والانفعال من اجل التغلب علي الفقر ومن ما يدل على ذلك تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر كما جاء عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الدعوات , ( اللهم! فإني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر)(2), وعن أبي هريرة أن النبي ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ كان يقول: "اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلِم أو أُظلم".(3) و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعوذوا بالله من الفقر والقلة، والذلة، وأن تظلم أو تظلم)(4) .
    وأسباب الغضب كثيره ومتعددة ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها .
    يتبع
    [/align]
    [align=center][/align]

  4. #4
    مشرفة سابقة محررة بيت حواء الصورة الرمزية غربة مشاعر
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    في مركب الغربه
    المشاركات
    2,314
    معدل تقييم المستوى
    18
    [align=center]الفصل السابع : علاج الغضب في ضوء السنة

    المبحث الأول: الحث على الصبر والتصبر
    من محاسن أخلاق المسلم التي يتحلى بها,الصبر, واحتمال الأذى في ذات الله تعالى, أما الصبر : هو حبس النفس ، ويقال : صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها . والتصبر : تكلف الصبر. ومن لم يرزق خلق الصبر المحمود فإنه عليه أن يدرب نفسه على الصبر في المواقف المختلفة ومن أهمها عند الغضب، ويتكلف ذلك مراراً، ويستعد نفسياً لمواجهة أنواع البلاء ويوطن نفسه على ذلك مستعيناً بالله (وما صبرك إلا بالله) لأنه بغيرالاستعانة بالله لن يستطيع شيئا لأن الله تعالى إن لم ييسره لم يتيسر,ومتوسلا بالعمل الصالح عموماً وبالصبر والصلاة خصوصاً، فليحاول بلا ملل أن يكون صابراً، فإن أخفق مرة فليحاول مرة ومرة بلا يأس وليجاهد نفسه على ذلك مستعيناً بطلب العلم عن عاقبة الصبر في الدنيا والآخرة ومغبة صدره، وعن السيرة النبوية والصحابة في ذلك، فهذا هو التصبر الذي يرزق به الصبر فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إن ناسا من الأنصار، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر).(1) ومن مواقف النبي صلى الله عليه وسلم فى الصبر و احتمال الأذى حديث خروجه صلى الله عليه وسلم- من الطائف، وقد ردوه شر رد.. تقول عائشة ــ رضي الله عنها: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا).(1) , وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه: إن ابنا لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب) (2).
    وعن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له).(3)
    قال ابن تيمية ــ رحمه الله تعالى ــ : ( ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب ، و جرعة صبر عند المصيبة ، وذلك لأن أصل ذلك هوالصبر على المؤلم ، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم ، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب ، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز )(4) ا.هـ.
    فيجب على المسلم العمل على ترويض النفس وتربيتها بين الحين والآخر على التحلي بفضائل الأخلاق وكريم السجايا وحميد الصفات حتى تعتاد الحلم والصفح ، وتألف الصبر والتروي ، وتتربى على عدم الاندفاع والتسرع في الرد والانتقام عند الغضب سواءً بالقول أو الفعل . وهكذا مرةً بعد مرة يُصبح ذلك طبعاً عند الإنسان المسلم مقتدياً فيه برسوله صلى الله عليه وسلم الذي كان يسبق حلمه غضبه ، وعفوه عقوبته , فالمؤمن الذي يعلم فضل الحلم عند الله ، ويُلاحظ الثواب العظيم الذي أعدَّه الله للحُلماء ، لا بُد أن يجد في نفسه اندفاعاً قوياً لاكتساب فضيلة الحلم ، ولو على سبيل التكلف ومُغالبة النفس ، وبعد التدرب خلال مدةٍ من الزمن قد تطول أو لا تطول فقد يُصبح الحلم سجيةً خُلقية مكتسبة ، ولو لم يكن في الأصل طبعاً فطرياً.

    المبحث الثاني : الحث على الحلم والعفو والصفح.
    الحلم صفة نفسية يقتدر بها الإنسان على حبس النفس والتحكم فيها عند الغضب ,فالإنسان بطبيعته إذا ما ارتكب ضده عمل ضار به , أو سمع قولاً يبعث على الغضب ثارت عواطفه ,وتوترت نفسه فاندفع للانتقام , وهنا تجيء صفة الحلم لتحول دون هذا النزعات الشيطانية.
    والعفو هو أن يستحق حقاً فيسقطه ويبرئ عنه من قصاص أو غرامة قال الله تعالى(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(1), ومن كرم العفو أن الله قدم العفو لنبيه قبل العقاب فقال:(عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ )(2) .والعفو ؛ سببٌ لنيل الأجر والثواب ، وهو طريق بعد ذلك للشكر : ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(1). وهو سبب للتقوى التي يسعى إليها المسلم دائماً : ( وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) (2).
    والصفح من الصَّفُوحُ وهو من صفات الله عز وجل، فمعناه العَفُوُّ؛ يقال:صَفَحْتُ عن ذنب فلان وأَعرضت عنه فلم أُؤَاخذْه به؛ وضربت عن فلان صَفْحاً إِذا أَعرضت عنه وتركته(3)؛ فالصَّفُوحُ في صفة الله: العَفُوُّ عن ذنوب العباد مُعْرِضاً عن مجازاتهم بالعقوبة تَكرُّماً. وفي حديث عائشة تصف أَباها: صَفُوحُ عن الجاهلين أَي الصَّفْح والعفوِ والتَّجاوُزِ عنهم؛ وأَصله من الإِعراض بصَفْحَه وجهه كأَنه أَعرض بوجهه عن ذنبه.
    ولقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم غاية الحلم والصفح والعفو والسنة النبوية حافله بمواقف الرسول الكريم في هذا الباب ومن ذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن الأصدقاء ؛ أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بعث كتاباً لكفار قريش يخبرهم فيه بعزم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على المسير إليهم لفتح مكة لما نقض أهلُها العهد ... فأطلع اللّه تعالى نبيَّه على ذلك ، فبعث من أخذ الكتاب ، وقال لحاطب : " يا حاطب ماهذا ؟ فقال حاطب : لا تعجلْ عليَّ ! إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش ، ولم أكن من أَنْفُسهم ، وكان مَنْ معك مِن المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببتُ إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتَّخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلتُ ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه صدقكم ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )(1)
    وموقفه صلى الله عليه وسلم مع عبدالله بن أُبيّ بن سلول رأس النفاق والمنافقين ، وهو الذي خاض في حديث الإفك بطريقة ملتوية ، لا يصرِّح فيها بما يوجب إقامة الحدِّ عليه ، حتى هزَّ المجتمع الإسلامي وأثار فيه فتنة كبيرة بسبب ذلك . ومع هذا كله فقد كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم منه عند وفاته مثلاً رائعاً لسمو النفس والتعالي على الدوافع الذاتية ، والعفو ، الذي يستصلح النفوس ويستديم بعدها المودة . فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول، دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي، وقال قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أخر عني يا عمر). فلما أكثرت عليه، قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها). قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف (2) وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).(3)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج، أشج عبدالقيس (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).(4), ومن مواقف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم المؤثرة ما جعل أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه يعيد النفقة على مسطح بن أثاثة ـ وكان قريباً له ـ بعد أن انزلق وخاض في حادثة الإفك على الطاهرة المطهرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وكان أبو بكر يحسن إليه وينفق عليه لقرابته ولحاجته . فلما قال ما قال ، حلف أبو بكر ألاَّ ينفق عليه ولا يصله كما كان يفعل فأنزل اللّه تعالى قوله :( وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (1) , فعاد أبو بكر بالنفقة عليه والعطاء قائلاً : بلى ، واللّهِ إني أحب أن يغفر لي.

    ومن بعض أسباب الحلم والعفو والصفح الباعثة على ضبط النفس مايلي :
    أولا: الرحمة للجاهلين ومن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي. فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزرموه. دعوه) فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر. إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه(2). ويقول الأمام النووي :( وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداً)(3).
    ثانياً: القدرة على الانتصار وهذا ناتج عن سعة الصدر والثقة بالنفس ومن ذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه , فى الحديث السابق.
    ثالثاً: الترفّع عن مجاراة المخطئ، وهذا يدل على شرف النفس، وعلو الهمة ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما أدركته القائلة، وهو في وادي كثير العضاه، فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا، فإذا أعرابي قاعد بين يديه، فقال: (إن هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، مخترط صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشامه ثم قعد، فهو هذا). قال: ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1).
    رابعاً: التفضّل على المسيء وتآلفه، واستيعابه ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أعرابي , فأخذ بردائه, فجبذه جبذةً شديدة , حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذته . ثم قال : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فضحك وأمر له بعطاء)(2), وقد حكي عن الأحنف ابن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ثلاث خصال:
    01 إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره.
    02 وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه.
    03 وإن كان نظيري تفضلت عليه.
    ومما ينبغي أن نذكره في هذا المقام : أن العفو ليس ذُلاً ولا مهانةً ، ولا عَجْزاً أو خَوَرَاً ، ولكنه عزّ وقوة للإنسان ، ورجولةٌ وشجاعةُ نفسٍ ؛ فمن يعفو عن الخطأ ويتجاوز عن الذنب : أصبح بذلك قوياً شديداً ، حيث ضبط نفسه لئلا يستخفَّه الغضب ، وأصبح عزيزاً بعفوه ، لأنه أكرم من غيره ، وقد استطاع أن يرتفع إلى ذلك الأفق المشرق الوضيء ، وإلى ذلك المستوى العالي النظيف ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )(1)
    وبعد ؛ فإن العفو مظهر من مظاهر الصحة النفسية واستقامتها ، بما فيه من محبة وأُلفةٍ ، وخيرٍ وإحسان ، وجهادٍ للنفس على الرفق والتسامي والاستعلاء . وبما فيه من معالجة للعدوان بالصفح الجميل ، والردِّ على الإفراط والتفريط بالاعتدال والاستقامة على الطريق .

    المبحث الثالث : الأمور القولية والفعلية المذهبة للغضب في ضوء السنة
    أولاً: الأمور القولية: هناك أقوال أرشد إليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها ويؤديها متى ما تعرض للغضب ومنها :
    01 لزوم الغاضب الصمت فلا يتكلم حتى لا ينطق بما قد يندم عليه بعد زوال غضبه كما جاء ذلك عند ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(علموا وبشروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت).(2)
    02 الاستعاذة بالله سبحانه من الشيطان الرجيم كما جاء في حديث سليمان بن صرد قال : " استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد أحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فقالوا للرجل : ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لست بمجنون(3).
    03 أن يذكر اللهَ عزّ وجل، فيدعوه ذلك إلى الخوف منه ثم إلى الطاعة، ثم إلى الأدب، ثم يستغفر الله تعالى فيزول الغضب، قال الله تعالى:(واذكر ربك إذا نسيت ) قال عكرمة : يعني إذا غضبت , وقال الله تعالى: {وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} ومعنى قوله: ينزغنّك: أي يغضبنّك
    04 أن يذكر حب الله للحليم وحب الناس له إن لم يغضب، فيرغب في تأليفهم وثنائهم عليه فعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا).(1)
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج، أشج عبدالقيس (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة).(2)

    ثانياً: الأمور الفعلية: جاء فى السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعال تعمل على إذهاب الغضب ومنها :
    01 الوضوء الذي يساعد – بإذن الله – على إطفاء حرارة الغضب وإخماد لهيبه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإِذا غضب أحدكم فليتوضَّأ).(3)
    02 أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها فيزول عنه الغضب كما في حديث أبي ذر – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع)(4)

    03 ومن الأمور التي يجب على المسلم أن يتذكرها ما جاء في ثواب العفو والحلم وفضل كظم الغيظ وأنه سبب لدخول الجنة ،فعن سهل بن معاذ، عن أبيه
    أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأ جوفه أمنا وإيمانا)(1) , وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : قلت : يا رسول الله ! دلني على عمل يدخلني الجنة ! قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تغضب ؛ ولك الجنة )(2).
    04 كما يجب على الغاضب تذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام, ومن ما يستوجب ذكره هنا دعاؤه ــ صلى الله عليه وسلم ــ :( اللهم إني سألك كلمة الحق في الغضب والرضا)(3)

    الفصل الثامن: ما قيل في الغضب

    قال على بن أبي طالب رضي الله عنه : إنما يعرف الحلم ساعة الغضب .ويقول أول الغضب جنون وآخره ندم. ولا يقوم الغضب بذل الاعتذار , وربما كان العطب في الغضب.
    وقال بعض العلماء : خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان ، فمهما قصد أو نُوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب ، وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم »(1). وفي وصية عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - : ( لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان )(2) , وكان معاوية رضي الله عنه من أحلم العرب فيقول : ما غضبت على من أقدر عليه ومن لا أقدر عليه ) لأن الغضب تعب لا فائدة منه فلا يشفي صاحبه ولا يضر بالمغضوب منه .(وقال الحسن البصري : أربع من كن فيه عصمه الله من الشيطان وحرمه على النار : من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب .وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى :( إن الغضب مرض من الأمراض ، وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم ,والمصروع المغلوب في مرضه ,والمبرسم المغلوب في برسامه)(3), وقال - رحمه الله تعالى ـ ( إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح ، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف )(4).
    سب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال : يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى.(1)
    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله تعالى " ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصا في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , وسوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تصنع لها بالا , لم تضرك شيئا "(2)
    ويقول الشافعي(3) رحمه الله ورضي عنه :
    يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا
    يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا
    ويقول أيضا : لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات
    إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحــــــيات
    وقيل لابن المبارك :اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة ؛ فقال: ترك الغضب.
    وذُكر عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : يابنيّ , لا تعرف إلا من ثلاث : لا يعرف الحليم إلا عند الغضب , ولا يعرف الشجاع إلا عند الحرب , ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة. وقال أبوحاتم البستاني في روضة العقلاء أحسن الناس عقلاً من لم يحرد ــ أي لم يغضب ــ وأخضر الناس جواباً من لم يغضب, وسرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء .
    وقال أبو ذر –رضي الله عنه- لغلامه : لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس ؟ قال : أردت أن أغيظك . قال : لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى (3)
    قال الأحنف بن قيس –رحمه الله تعالى – لابنه : يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه , فإن أنصفك وإلا فاحذره(4).
    الخاتمة:
    هذا البحث حول الغضب وكيفية علاجه في ضوء السنة النبوية المطهرة وتم التطرق فيه إلى تعريف مقتضب عن طبيعة الغضب ومنشئه, ثم أنواع الغضب وبيان أحكامها ودرجاته, ثم عرضت هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الغضب والذي لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحى وانه ــ صلى الله عليه وسلم ــ لا يغضب إلا لله سبحانه وليس لأمر من أمور الدنيا, ثم بعضاً من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الغضب وأسلوبه في التعامل مع الغاضب وهو غاضب وفي ما يغضب , ثم عرضت حديث (لا تغضب) بشيء من الدراسة وبيان الفوائد والهدف من هذا الحديث , ثم عرضت فضل كظم الغيظ وما أعد الله لمن كظم غيظه وفضله على الناس يوم القيامة كما جاءت به السنة المطهرة, وبعض أحكام تصرفات الغاضب وماله وما عليه من الأمور الشرعية, وبيان الأسباب المؤدية إلى الغضب المهيج للإنسان , وطرق وسبل الوقاية والعلاج , ومنها ما هو قولي ومنها ما هو فعلي , وبعض أقوال السلف من أهل الفضل والحكمة في الغضب , وخلاصة القول أن في النهي عن الغضب دروس تربوية عظيمة تربي الإنسان المسلم على تجنبه إذا كان انتقاما للنفس أو استجابة لثورتها أو اندفاعا وراء لوثة الغضب الهوجاء فالفرد متى ما جُبِل وتعود ونشأ وتربى على عدم الغضب كان من السهل عليه ومن الميسور له ألا يغضب بسرعة وأن يتمكن من التحكم في نفسه وفي انفعالاته , وأسال الله العظم بفضله وجوده أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجه الله تعالى و أن ينفعني الله ــ أنا كاتب البحث ــ أولا بهذا البحث وينفع جميع من يطلع عليه من المسلمين إنه ولى ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .

    يتبع
    [/align]
    [align=center][/align]

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. ما هو مسمار القدم وكيفية علاجه ؟
    بواسطة Miss.Reem في المنتدى الطب - الصحة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 04-07-2019, 01:39 AM
  2. البرود العاطفي بين الزوجين . . وكيفية علاجه
    بواسطة ليدي الامورة في المنتدى الحياة الزوجية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19-03-2016, 01:18 AM
  3. الكذب عند الأطفال : دوافعه وأسبابه وكيفية علاجه
    بواسطة ام سارة** في المنتدى حواء وطفلها
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 18-08-2015, 05:37 PM
  4. الحسد تعريفه وبيان الفرق بين العين والحسد وكيفية علاجه
    بواسطة ام سارة** في المنتدى منتديات اسلامية,( على منهج أهل السنة والجماعة)
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 10-11-2014, 03:20 AM
  5. الغضب واعوذ بالله من الغضب
    بواسطة مزايا في المنتدى المجلس العام
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 18-08-2008, 12:04 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر

مواقع النشر

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

أهم المواضيع

المطبخ

من مواقعنا

صفحاتنا الاجتماعية

المنتديات

ازياء | العناية بالبشرة | رجيم | فساتين زفاف 2017 | سوق نسائي | طريقة عمل البيتزا | غرف نوم 2017 | ازياء محجبات | العناية بالشعر | انقاص الوزن | فساتين سهرة | اجهزة منزلية | غرف نوم اطفال | صور ورد | ازياء اطفال | شتاء | زيادة الوزن | جمالك | كروشيه | رسائل حب 2017 | صور مساء الخير | رسائل مساء الخير | لانجري | تمارين | وظائف نسائية | اكسسوارات | جمعة مباركة | مكياج | تسريحات | عروس | تفسير الاحلام | مطبخ | رسائل صباح الخير | صور صباح الخير | اسماء بنات | اسماء اولاد | اتيكيت | اشغال يدوية | الحياة الزوجية | العناية بالطفل | الحمل والولادة | ديكورات | صور حب | طريقة عمل القرصان | طريقة عمل الكريب | طريقة عمل المندي |