قصة روعة لأجاثا كريستي

اليوم وجدت كتاب قصص بوليسية وأردت أن أطلعكم إحدى قصصه إسمها :

العين الفاضحة

ل:أجاثا كريستي

الحظ يواتي صاحب العقل المنظم.
هذه هي العبارة التي قالها (باستير), وقرر الدكتور كويلر أن يثبت صدقها على مستوى ثمانين ألفاً من الدولارات , هي قيمة الغنيمة التي ظفر بها لص سطا على أحد بنوك الحي منذ ثلاثة شهور على مرأى من الدكتور كويلر.
وكان كويلر قد أنهى لتوه فترة التدريب بمستشفى (ويلوبي) وكان هو الوحيد بين شهود الحادث الذي تؤهله خبرته وتجاربه للتعرف على اللص المقنع.
والواقع, إن قليلين جداً من الناس , يعرفون كيف يستخدمون عيونهم..
ومن بين هذه القلة أو في مقدمتهم الأطباْء.
ذلك إن أي علامة أو ندبة أو تغيير في اللون, له عند الأطباء مغزى ودلالة...
وهم لذالك يرضون أنفسهم على الملاحظة بدقه وتركيز قلما يتوفران لغيرهم من الناس.
ولم يكن أي عمل جانبي, حتى ولو كان جريمة قتل, ليصرف الدكتور كويلر عن ملاحظة العمل الرئيسي..
فعندما استولى الذعر على إحدى عميلات البنك فأرسلت أولى صرخاتها الهستيرية..أهوى اللص المقنع على رأسها بمقبض مسدسه , وأدرك الدكتور كويلر..حتى قبل أن يلمس مقبض المسدس الرأس. إن جمجمة المرأة ستتهشم..
ولكنه مع ذلك ركز على ملاحظة اللص دون الحادث.
فعل ذلك في هدوء ورباطة جأش,دون أن يلفت النظر إليه نظر اللص المقنع.
كان القناع يخفي وجه اللص فيما عينيه, وقد لاحظ ثقلا بسيطا في حركة النصف الأيسر من جسد اللص.
وعندما إلتقت عيونهما في لمحة سريعة.. لاحظ إن إنسان إحدى عيني اللص أغر كثيرا من إنسان العين الأخرى.
كل هذا يعنى أمرا واحدا هو أن مخ اللص مصاب بتلف قوي.
وهذه الملاحظات قد تفيد البوليس كثيرا ولكن أحتفظ بها لنفسه.
وكان يشعر في قرارة نفسه بأن الموقف مليء بالاحتمالات
ومن هذه الاحتمالات أن يموت اللص وحيدا كما سطا على البنك وحيدا دون أن يفضي إلى احد بالمكان الذي اخفي فيهي غنيمته......
ومناه انه , أي الدكتور كويلر ,هو الوحيد الذي يستطيع التعرف عليه ....صحيح أن اللص كان مقنعا...ولكن يكفي أن يرى الدكتور مشيته أو ينظر في عينيه كي يتعرف عليه.
على أن الطبيب لم يكن بحاجة إلى البحث عن ضالته.....
فقد اتفق، بعد نحو ثلاثة شهور، بينما كان يعمل في مستشفى (ويلوبي) كأخصائي في جراحة المخ ....إنهم أحضروا إليه نفس الرجل كمريض.....

ذلك أن صاحبة البيت الذي يقيم به اللص ، وجدت هذا الأخير مشلولا في فراشه وقد تعطل نصفه الأيسر عن الحركة،مما يدل أن التلف الذي أصاب مخه قد استشرى .
وفي البداية ، لم يكن الدكتور كويلر واثقا من أن المريض هو اللص ،ذلك لم يره وهو يسير ......
لكن هناك العين ذات الإنسان الصغير ، والعين تكفي لإرشاد الطبيب البارع إلي شخصية صاحبها كما لو كانت صورة فوتوغرافية للوجه كاملا .
وقرر الطبيب أن الرجل لا يمكن أن يكون قد انفق الغنيمة كلها.. إذ ليس من المألوف أن يسارع اللصوص إلى إنفاق مبالغ كبيرة على نحو يلفت الأنظار... خاصة إذا كانوا من أصحاب السوابق الذين يراقبهم البوليس.
وقد كانت لهذا اللص سوابق،استطاع الطبيب أن يعرفها بفضل التعاون ،الذي ألفه أطباء المستشفيات الكبرى،مع دوائر الشرطة.
ولعه كان في الإمكان إنقاذ حياة المريض،ولكن ذلك منوط بالطبيب وحده..بحكم مهنته..
ولذلك لم يكن هناك من يحق أن يسأل الطبيب أو يرتاب في سلوكه عندما تسلل إلي غرفة المريض،بعد منتصف الليل،وحقنه بمادة الإسكوبالومن..التي يطلقون عليها إسم عقار الصدق..
وهو العقار الذي يطلق الألسنة.. فلا يقول أصحابها إلا الحقيقة..
وشرع الطبيب في استجواب اللص، وعينه علي الباب خوفاً من دخول إحدى الممرضات:
ــ أين النقود التي أخذتها من البنك؟
فتمتم اللص قائلاً:
ــ النقود ؟أنني أخفيها.
ــ أين؟فرد اللص:
ــ في{الكـامينو} .. علي بعد ثلاثين خطوة، شرق الطريق الرئيسي..
ــ عند معسكر{نيدرلتون}؟ فأجاب اللص:
ــ خارج المعسكر.. هل تظنني من الغفلة بحيث أخفيها داخل معسكر مليء بالحراس؟..إن المبلغ كله هناك..ثمانون ألف دولار.. في حقيبة من الورق تحت عمق ثلاثين سنتيمتراً.. وليس هناك من يقوم بأعمال الحفر..
فسأله الدكتور هل أنت واثق من أنك أخفيت المبلغ هناك؟
ــ كله هناك.. وسوف أعود لاستخراجه.. وبعد ذلك أذهب إلي المكسيك . .أو كندا..
سأكون غنياً..
فتفرس الدكتور كويلر في وجهه.. وتذكر كيف هبط مقبض المسدس علي رأس المرأة فهشمه..
ولكنه كان أميناً مع نفسه.. فلم يزعم لها، أن قتل المرأة هو الدافع.. لأنه كان سيفعل نفس الشيء، حتى لو لم يكن اللص قد قتل المرأة.
وبأعصاب هادئة.. وأصابع خبيرة.ضغط الطبيب علي شريان معين في الرقبة ينقل الدم إلي المخ.
فمات اللص في هدوء دون مقاومة..
وفي هدوء غادر الطبيب الغرفة.
لقد كان من المحتمل أن يموت اللص في أية لحظة موته طبيعية، بسبب التلف الشديد الذي أصاب المخ..
لكن من المحتمل أن من جهة أخرى ، وبفضل مهارة كويلر أن يبرأ اللص من إصابته ويعيش.
لكن ذلك موضوع يتسع لجدل.
ومن العجيب أن الطبيب تذكر{العين} ، في ذلك الوقت، بالذات..
كانت عين من الزجاج طولها خمسة أقدام ، تطل من أعلي نافذة في كنيسة القرية التي ولد فيها ..
وكثيراً ما كان أبوه الدكتور كويلر العجوز يشير إلي هذه العين كلما ذهبا إلي الكنيسة في أيام الأحد .ويقول له:
ــ هذه عين الله.. إنها ترى كل ما تفعله.. ولا يخفى عليها شيء حتى ولو كان في أعماق قبو مظلم. هل فهمت يا بني؟ لذلك يجب ألا تفعل ما يغضب الله.
وهكذا عاش كل حياته في فزع من تلك العين.. التي كانت تتراءى له في نومه ويقظته..
فقرر أن يتجاهلها.
أما الدكتور كويلر العجوز ، الفاضل.. فإنه عاش محترماً.. ومات فقيراً.. ولم يترك لأسرته سوى ديون لم يتكلفوا عناء سدادها.
وتساءل الدكتور كويلر الشاب.. ترى ، ما رأي {العين} فيه الآن ، بعد أن أصبح قاتلاً .. وسيصبح صاحب ثروة مسروقة؟
إنه أقدم علي شرور كثيرة ليصل إلي مركزه الحالي..
كان وهو طالباً بالمدرسة كان يعمل صرافاً في أحد المتاجر الكبرى فتعلم كيف يغالط الزبائن ويضع الفروق في جيبه..
ثم كان وهو طالب طب يستغل شهرة أبيه في إجراءات عمليات الإجهاض الذي يحرمها القانون لقاء أجور خيالية..
فعل هذا وذاك، ولكنه لم يتصور أنه يمكن أن يقدم يوما علي قتل أحد المرضى.
بيد أن كل هذا قد مضى الآن وانقضى..
لقد أصبح مستقبله مضمونا الآن..
وسوف يستطيع، بفضل الثمانين ألف دولار، ينشىء عيادة خاصة علي أرفع مستوى.وتذكر اعتراف اللص..
كان من الغباء حقا أن يضع المبلغ الضخم في حقيبة من الورق..
لكن تلك هي عقلية اللص وطريقة تفكيره.
علي أنه مما يطمئن له أن تلك المنطقة من كاليفورنيا قليلة الأمطار.. وإذا هطلت الأمطار فإنها لن تهطل قبل شهر أكتوبر..
فالنقود إذن في مأمن إلي حين .
وبعد بضعة أيام، فقرر كويلر معاينة المنطقة، وتحديد البقعة في ضوء النهار.
علي أن يعود إليها ليلاً لاستخراج الغنيمة.
ولكن لشد ما كان ضيقه وغيظه حين ذهب إلي المنطقة، ووجدها تعج بالحركة، ورأى الطريق مليئاً بالقار والرماد، وبقع الزيت.. وقطع المطاط..
ثم أبصر بالدخان يتصاعد من الأعشاب الطويلة الجافة التي تغطي مساحات شاسعة من الأرض الرملية.
ورأى عربة حمراْ صغيرة من عربات المطافىء، تقف علي جانب الطريق، وبالقرب منها رجل متقدم بالسن، يرتدي بزة رجال المطافىء، وبين يديه أسطوانة مما يستخدم في رش الحرائق بالمواد الكيميائية..
فدنا منه وقال:
ــ ماذا حدث؟ إني طبيب.
فرد الرجل ببساطة:
ــ لا عمل لك هنا يا دكتور، فقد ذهبت عربة إسعاف منذ ساعة.. أما ما حدث هو نفس المألوف..
لقد ظن سائق سيارة نقل الزيت أنه يستطيع قيادة السيارة بنفس الرعونة التي يقود بها سيارة صغيرة.
فأفلتت عجلة القيادة من يده، وانقلبت السيارة، واشتعلت فيها النيران.
وكان من الواضح أن السيارة قد نقلت، وأن النار توشك أن تخمد..
ولكن كويلر كان مطمئنا إلي سلامة النقود. فقرر أن ينتظر يوماً أو يومين ثم يعود لاستخراجها في إحدى الليالي القمرية..
ومما زاده اطمئنا أن معسكر {بندلتون} كان يقع علي بعد مائتي متر علي الأقل..
ولن يفطن أحد إلي وجوده، إلا إذا أضاء مصابيح سيارته..
يضاف إلي ذلك أن وجوده في المنطقة ليلاً، لن يثير ريبة أحد.. فهو طبيب.. والطبيب يمكن أن يدعى لزيارة مرضاه في أية ساعة من الليل والنهار.
وعلي ذلك فقد شكر رجل المطافىء.. وانصرف متظاهراً بقلة الاكتراث.. ولكنه حرص علي أن يحصي خطواته، وبعد ثلاثين خطوة، وجد قطعة مطاط محترقة.. فاتخذها كعلامة ترشده إلي مكان الغنيمة.
فغادر وقلبه مفعم بالأمل.
وفي الساعة الثانية صباحاً، بعد ثلاثة أيام، عاد إلي المنطقة ومعه فأس،فوضع يديه في قفاز من الجلد وراح يحفر الأرض في المكان المحدد، وكانت رائحة الحريق، والزيت والمواد الكيميائية، لا زالت تنبعث من الرمال.
وفجأة وجد كتلة سوداء متفحمة.. فمد يديه وانتزعها من الأرض، ولكنه ما كاد يفعل ذلك حتى تحلل القفاز وتساقط أجزاؤه، وأحس كأن يديه تحترقان. وفي نفس اللحظة، صعدت إلي أنفه رائحة حامض النيتريك{ماء النار}
فأدرك، والذعر يملأ قلبه، أن السيارة لابد قد كانت تنقل شحنة من هذا الحامض إلي
قاعدة الصواريخ القريبة. فلما انقلبت.. سال الحامض علي الأرض وتخلل الرمال..
فأحال الحقيبة والنقود إلي عجينة سوداء لا قيمة لها.
وعاد الدكتور كويلر إلي سيارته وهو يترنح.. فشعر كأن يديه تحترقان.. ولكن لا بأس.. إن بشرة اليدين ستتجدد بعد بضعة أيام.. أما النقود.
حقاً.. إن فقدها صدمة لا تحتمل.
وأسرع إلي غرفته في المستشفى ليعالج يديه..
ثم خطر له أن يحتسي قدحاً من الوسكي.. فصب الشراب في القدح.. وقرر أن يضيف إليه بعض الماء. من صنبور في الغرفة.. ولكنه ما كاد يصل إلي الصنبور حتى سقط القدح من يده..
فحدث نفسه يقول:
ــ يا للشيطان.. كيف يفلت القدح من بين أصابعك.. وأنت جراح؟..
ونظر إلي وجهه في المرآة.. ورأى أن إنسان إحدى عينيه، أصغر من إنسان العين
الأخرى.

تــــــــــــــــــــــمـــــــــــــــــت
إن شاء الله تعجبكم