صاحِبُ العيْنينِ وَسِرُّ صاحِبَةِ النَّصيفْ!
مؤمنة معالي
جحوظ في عينيه، وذقنٌ تتجمع فيه الشعرات بصورة عشوائية دون ان تعرف ذوق النزول في ضيافة الآخرين،ثوب مرقوع ببضع رقعات تحتاج للرقع هي أيضا، ويندر وجود أسنان في فكيه، إذ يخيل للناظر لثغره أنه يلقي ببصره داخل كهف مظلم، ويفر كل من يتبسم هذا الأشعث في وجهه ظانا أن الموت يتبسم له ليأخذه على حين غرة!
يجلس في أحد شوارع مراكش، يقلب بصره متفرسا وجوه الناس، نظراته لا تحمل حسدا أو غبطة لأحد، ينظر لهم نظرة رفعة وكبرياء،ويصرخ في وجه كل من يمد له يد اً فيها درهمٌ أو درهمين، يبصق بوجه من يلح عليه بأخذها، كان قبل سنوات يعض يده،لكنه ما عاد في قوة الشباب.
يقف أمامه حمام عام، لا يدخله سوى مرة بالشهر يغلب أن توافق ليلة المحاق، ويخرج جلبابا ابيض اللون وطربوش، يلبسهما في يومه ذاك وبعد لقاء يخلعهما ويلفهما في قطعة من حرير ليتوسدهما، ويعود مرة أخرى لثوبه المرقع.
ترقبه عينان مشفقه،طالما تمنت لو يوافق على السير ممسكا بيدي صاحبهما لمكان غير هذا المكان، لكنه يتمنع تمنع المحب المواعد، عينان تفتقر لأدنى معايير الذوق، أو انها تمتلك معايير خاصة بها دون سائر عيون البشر عندما سللت لقلب صاحبها عجوز أشمط، ربما ان عفت نفسه سمحت له بدخول هذا القلب والتنعم بالقرب منه،ترقبه العينان وهو يخرج كسرة خبز من جراب له خيط مربوط على خصر العجوز، من اين يأتي بالخبز،يتسائل صاحب العينان،لكنه لا يجد جوابا.
مع غروب شمس أحد الأيام، انتظرت العينان بزوغ القمر لكنه تمنع، بحثت عن السبب لتنتبه للحقيقة، إنها ليلة التاسع والعشرين، غذ صاحبها السير للحي الشعبي في المدينة، قلب ناظريه بحثا عن الشيخ الذي اختفى، وبعد برهة من الزمن شوهد خارجا من الحمام، تأمله صاحب العينان، خاله القمر قد نزل واستقر متواضعا بين أهل الأرض،كاد يصرخ! لا تنظروا للسماء بغية تأمل أقمارها فها هي بين ظهرانيكم، ابتسم..سينعتوني بالجنون، لاذ بالصمت.
قرر الإختفاء، وأخذ يتسائل عن سبب هذا الشغب الذي بدأ يصدره القمر كما تملي عليه ناظريه ، يضرب المارة على أقدامها، يصرخ في وجوه الخلق،وكانه يطردهم ويعيق سيرهم في هذا الدرب الذي يعتبره من أملاكه،وكأنه ورثه سالفا عن سالف،وأبا عن جد، وعينيه الجاحظتين ترقبان الدرب الغربي، ترقبانه بشوق،بلهفة!
خفت حركة المارة، وبدأ السكون يتسلل في أعماق مراكش، وأخذ النوم يداعب أجفان العجوز برفق، استسلم له، واخذ يميل ببطئ نحو الأرض، فليس هناك وسادة حرير طالما انه يلبس حشوها!
يقاوم صاحب العينين النعاس بكل قوة، الليلة فقط سيعرف سر هذا العجوز، تأنيب الضمير حاول منعه من ذلك ، فالتجسس وتتبع أحوال الناس شيئ طالما نهته عنه المرحومة أمه ، لكنه ركل الوصايا والآداب ولحق شهوة نفسه واملاءاتها، ووعدها بمحاسبة عسيرة على هذا التجاوز لكن بعد ارتكابها للذنب،وافق ضميره مكرها.
ترفل بمرطها وهي في التفات دائم خشية أن يراها أحد،وقد غطت وجهها بنصيف حريري هو ذات الحريرة التي يتوسدها العجوز غالب لياليه،تقترب بحذر خشية أن تؤخذ غيله،تقف على رأس النائم بين أحضان النسيم، تهمس مناديه، ثم تعلي نبرتها ،تصمت وفرائصها ترتعد، تنادي بصوت مسموع يحتل الصدارة في صماخ صاحب العينين، تضع تحت رأس النائم جرابا بطول وعرض اصبعين، وتولي مسرعة،والتفاتتها المعهودة تتطغى على رأسها الذي لا يعرف السكون خشية ان يفتضح أمرها،كل هذا وصاحب العينين يرقب ما يجرى،وتساؤات جديدة تقفز في خاطره دون ان يعرف لها جوابا.
انتظر استيقاظ العجوز لساعات، لكن النوم تمكن منه تمكن الفهد من عنق الطريدة، اقترب منه بحذر ليكتشف هروب الأنفاس من هذا الجسد، فتح ما وضعته صاحبة النصيف،واذا به يحوي ثلاثين درهما لا اكثر، بها كان يغني نفسه عن دراهم الآخرين،تشجع صاحب العينين واخذ يحل عقد الجراب المربوط على خاصرة الرجل لعله يخفي سر المرأة الشاطّة.
نفض ما في الجراب من خبز بدأ يتعفن وأعواد كان يستخدمها الراحل ليمثل وكأنه يخلل أسنانه التي سبقته،لكن حقيقه تكشفت بمجرد خروجها من محيط الجراب العفن، تكشفت على نور خافت انبعث من وجه المتوفى، كاد ان يشدخ رأسه بعد ان غلت في عروقه الدماء، أراد ان يقتص من عضة نالت أسنان الراحل بها من يده بقضم جميع أنحاء الجسد الهامد، ازداد النور المنبعث من وجه العجوز ليوضح الصورة أكثر ويعلن براءته، كان واقفا بجوار مرأة حسناء،وبينهما طفل باسم، انها ذات الصورة التي احتفظت بها امه في جيب قميصها واوصت ان تدفن معها عندما ضربت جسدها سكرات الموت، كان تنتظر عوده الراحل الذي غاب عنها قبل عقدين من الزمان،لكن القدر حال بين التئام الشمل مرة اخرى، ويبدو انه نجح في ذلك.
قبل والده القبلة الأولى والأخيرة،كان يتنمى لو يعرف صاحبة النصيف، انتظرها في مجلس والده ليلة المحاق من الشهر الذي تلا ، جاءت مسرعة،دققت بناظريها حيث يجلس العجوز لترى شابا قديد الظهر معتدل القامة، صرخت وولت هاربة، حاول اللحوق بها لكنه لم يستطع، وكأن الريح حملت بها إلى حيث لا رجعة، راودته الشكوك ان تكون جنية قدمت من الجبال الغربية، لكنه لم يستطع الجزم بأي من التهيئات التي ترد خاطره كلما مر من وسط مراكش، من أمام الحمام العام.