نعم الرضا جنة المحبين .. وجائزة المؤمنين . . وسعادة المتعبدين



إن الرضا هو الوقوف الصادق مع مراد الله، من غير تردد.


كان السلف رضي الله عنهم يتواصون بالرضا وتربية النفس عليه، لعلمهمبعلو منزلته،


فهذا عمر الفاروق رضي اللهعنه
يكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فيقول: "أما بعد،
فإنالخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".

وكان من وصايالقمان عليه السلاملولده: "أوصيك بخصال تقربك من الله وتباعدك منسخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا،


وأن ترضى بقدر الله فيما أحببتوكرهت".

إن من وطَّن نفسه على الرضا عاش في الدنيا حياة طيبة،
ولم تعرفالهموم والأكدار إلى قلبه سبيلاً،
كيف وقد رضي الله عنه ورضي هو عن الله؟ إنالله عز وجل يقول :
(من عملصالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة..)

وقد فسرها بعضالسلف بأنها حياة الرضا والقناعة.


ولهذا لماقال عمر بنالخطاب
لزوجته عاتكة رضي الله عنهما: "والله لأسوأنك - وكان قد غضبعليها -
فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله له؟
قال: لا. قالت: فأيُّ شيء تسؤني به إذًا؟"
تريد أنها راضية بمواضع القدر لا يسؤهامنه شيء إلا صَرْفُها عن الإسلام ولا سبيل له إليه.

قدم سعدبن أبي وقاص

إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه،كل واحد يسأله أن يدعو له،
فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد اللهبن السائب:
فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟
قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك،
فردَّ الله عليكبصرك. فتبسم وقال:يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.

إنه الرضاالذي وطَّنوا أنفسهم عليه،

بحيث صارت أقدار الله عز وجل أحبَّ إليهم من هوىأنفسهم،
بل صاروا لا يهوون غيرها، حتى قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
مالي هوىً في شيء سوى ما قضى الله عز وجل.


ومما يدل على علوِّ قدر الرضا
أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرضابالقضاء،
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسال ربه إلا أعلىالمقامات.
صحة الرضا عن الله بثلاثةشروط:

الأول: استواء النعمة والبلية عند العبد؛ لأنه يشاهد حُسنَاختيار الله له.

الثاني: سقوط الخصومة عن الخلق إلا فيما كان حقًّا للهورسوله،
فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتُذهب بهجته،
وتُبدِّلبالمرارة حلاوته، وتُكدِّر صَفْوه.

الثالث: الخلاص من الإلحاح في مسألةالخلق، قال الله تعالى:
(
يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَالتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) [البقرة:273].

الرضا ذروة سنام الإيمان:
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "ذروة سنام الإيمان أربعخلال:
الصبر للحكم،
والرضا بالقدر،
والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عزوجل.

وقال ابن القيم رحمه الله:
الرضا من أعمالالقلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح،
فإن كل واحد منهما ذروة سنامالإيمان.

فإن الله عز وجل لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، ساءهالقضاء أو سره.

فقضاؤه لعبده المؤمن المنع عطاء، وإن كان صورة المنع،
وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.
ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاءوالنعمة والعافية
إلا ما التذَّ به في العاجل، ولو رزق من المعرفة حظًا وافرًالعدَّ جميع ما قضاه الله عز وجل وقدره
نعمة وعطاء وعافية، وهذه كانت حال السلف.


ولن يجد العبد حلاوة الإيمان إلا بهذا:
"ذَاقَطَعْمَ الإْيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبّا وَ باْلإِسْلاَمِ دِيناً وبِمُحَمّدٍرَسُولاً".

فمن رضي فله الرضا ... ومن سخط فله السخط .

فاللهم ارضِّنا بقضائك وبارك لنا في قدرك،
حتى لانحب تعجيل شيء أخَّرته، ولا تأخير شيء عجلته.

اللهم أرزقنا نفساُ مطمئنة . . ترضى بقضائك . . تقنع بعطائك