ديمي حب أول \ د. محمد الحضيف



صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 4 من 10

الموضوع: ديمي حب أول \ د. محمد الحضيف

  1. #1
    عضوة قمة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    419
    معدل تقييم المستوى
    14

    dffdg ديمي حب أول \ د. محمد الحضيف

    بسم الله الرحمن الرحيم


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قصة للكاتب محمد الحضيف..



    كنا قد فرغنا لتونا من إحدى فقرات المؤتمر ، وبقى على موعد صلاة الظهر أقل من الساعة . اقترحت عليه أن نتناول كوبين من القهوة بالحليب ، مع قطعة من الكيك ، لنضع عن كاهلينا شيئا من العناء ، الذي فرضه ضغط البرنامج ، الذي بدأ مع ساعات الصباح الأولى . استحسن الفكرة ، فتوجهنا إلى الفندق ، حيث مقر إقامتنا .
    في البهو الأرضي أخذنا زاوية قصية ، منحنا انعزالها بعض الخصوصية ، و كثيرا من الهدوء الذي نحتاجه . كنت قد تعرفت على مصعب في مؤتمر سابق ، فاستمرت العلاقة بيننا ، رغم بعد المسافة ، وقويت ، لتتحول إلى صداقة حميمة .
    مصعب في العشرينات ، برونزي اللون ، شعره أسود فاحم ، و يكسو وجهه لحية خفيفة ، تضفي عليه مسحة من السكينة والوقار ، رغم صغر سنه . في ظلال عينيه يتوارى حزن لا يفصح عن نفسه ، ويمنع من السؤال عنه حياء ، جعل من مصعب قليل الحديث ، وجعل من يعرفه يتردد في الدخول في مغامرة لاستكشاف دخيلتة .
    لم نتكلم كثيرا ، لكن مذاق القهوة الساخنة اللذيذ ، وهدوء المكان ، جعلاني أبادر (مصعب) ، عندما رأيت في محياه علامات الاسترخاء ، والاستغراق في لحظات تأمل عميقة ، لأسأله عن أصعب موقف مر به خلال السنوات الخمس ، التي مضت على وجوده هنا ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، كشاب نشط في حقل الدعوة إلى الله .
    خيل إلى ، حينما صعد نظره في ، كأنما قد سألته عن أمر كان يفكر فيه ، لحظة السؤال .. فقال ، و كأنه يدفع عن نفسه تهمة :
    ـ عفا الله عنك ، وأي مواقف تستحق أن تسجل لشاب صغير مثلي ، إلا أن يكون سؤالك استفهاما عن شئ بلغك عني .
    كانت عيناه تقولان شيئا قطعا ، وأحسست بالحرج من الطريقة التي رد بها علي ، ومن نظرته إلي فسكت . مرت لحظات من الصمت بيننا ، تشاغلت فيها بتحريك الملعقة داخل كوب القهوة ، الذي بقي فيه نصفه ، وتلهى هو ، بصف مكعبات السكر فوق بعضها في الطبق الذي أمامه . ثم فجأة قال لي :
    ـ كأني لم أكن لطيفا في الرد على سؤالك ..؟
    ـ لا .. لكن يبدو أنني لم احسن طريقة صياغة السؤال ، أو ربما أنني أقحمت نفسي في شأن خاص .
    ـ لا ... ليس أي منهما ، لكن .. و ( تردد لحظة ) أسألك بالله هل بلغك شئ عني..؟
    ـ لا والله ، أنت عندي فوق الشبهات ..
    أطرق قليلا ، ورأيت سحابة داكنة تظلل وجهه ، ثم رفع رأسه وقال :
    ـ أنت تعرف مكانتك عندي ، وسأحدثك حديثا من أعجب ما مر بي .. :
    في العام الماضي مررت بتجربة .. كان الفصل الدراسي يلفظ أنفاسه أو يكاد . هذه هي المحاضرة الأخيرة ... قبل الامتحان النهائي ، وكان أستاذ المادة ، " مناهج البحث " ، قد وعدنا أن يستكمل في هذه المحاضرة ما بدأه في المحاضرة السابقة ، من شرح لأهم عناصر المادة . وكما تعلم ، نحن الذين نتحدث الإنجليزية لغة ثانية ، يهمنا جدا ، مثل هذه المحاضرات المركزة ، رغم وطأتها الثقيلة على الذهن .
    كنت مستغرقا تماما في الاستماع للدكتور ، والكلمات تخرج تباعا من فمه ، مثلما يقذف بركان حممه . في هذه اللحظة ، وصل (طالب) متأخر – لم ألق له بالا – وصار يخترق الصفوف ، حتى أخذ مقعدا بجانبي . لم أره ، لكني لمحت خيالا ، وسمعت صوت تحريك الكرسي . تأكدت أنه جلس في الكرسي المجاور ، حينما طلب الدفتر الذي أسجل فيه ملاحظاتي . أعطيته إياه ، دون أن أنظر إليه ، أو حتى أسأله ، لماذا .. ، لأني كنت منشغلا بتدوين ما يقوله الدكتور .
    كان الدكتور قد أنهى كلامه ، حينما سمعت (الطالب) الذي جلس بجواري يقول :
    ـ أريد أن استعير دفترك .. بالمناسبة أنت مسلم ..؟
    ألتفت إلى مصدر السؤال ، الذي كان مفاجئا لي ، لتصطدم عيناي بمفاجأة أكبر . لقد كان الذي جلس بجواري ، وطلب دفتري ، فتاة في غاية الجمال . كانت تقلب بين يديها لاصق من ذلك النوع الذي يوضع على مؤخرة السيارة ، والذي يحمل عبارات مثل :
    " اقرأ القرآن .. آخر وحي نزل من السماء " ، أو " الإسلام آخر الديانات السماوية .. تعرف عليه " .
    كان اللاصق ، مع أوراق أخرى عن الإسلام ، موجود ضمن دفتر محاضراتي ، الذي طلبت الاطلاع عليه . قلت لها ، وأنا أحاول ترتيب دفتري :
    ـ نعم أنا مسلم .
    كان الدكتور يجمع أوراقه ليغادر القاعة ، حينما بادرتني بسؤال آخر قائلة :
    ـ بالمناسبة ما هو الإسلام ..؟
    كنت مرتبكا ، مشتت الذهن ، بين الإجابة على سؤالها ، والدخول معها في حوار ، رغم ما وقع في قلبي منها ، وبين شعوري ، من جهة أخرى بالمسئولية ، بتبيان ما هو الإسلام لها .
    كانت المفاجأة التي شلت قدرتي على التفكير ، هي أنني لم أتوقع موقفا كهذا . فأنا رغم مرور ثلاثة أشهر على الفصل الدراسي ، لم أر هذه الزميلة مرة واحدة ، لأني آتى آخر الناس ، قبل موعد المحاضرة بلحظات ، وأقبع في آخر مقعد في القاعة ، واخرج أول الناس لحظة انتهاء الوقت المخصص للمحاضرة ، دون أن أنظر في وجوه الطلاب الذين يشاركونني المكان . بين هذين الوقتين ، أكون مشغولا بتسجيل ما يقوله الدكتور ، أو التفكير بشأن من شئوني الخاصة خارج الجامعة .
    كانت تنتظر إجابتي على سؤالها ، وهي واقفة على رأسي ، وقد خلا المكان ، إلا مني ومنها . قلت وأنا أحاول أن أتخلص من الموقف الذي وضعتني فيه :
    ـ الموضوع يحتاج إلى وقت ، لكني أستطيع أن أعطيك بعض المنشورات التي تجيب على بعض تساؤلاتك .
    ردت بسرعة ، قائلة بأن لديها الوقت لتسمع مني ، إن لم يكن لدي مانع . أسقط في يدي ، فقلت :
    ـ نعم .. لا بأس ..
    فأسرعت تقول :
    ـ ما رأيك لو نجلس في الكافتيريا ، وأدعوك إلى كوب من القهوة ..؟
    شعرت بحرج شديد ، وتساءلت في نفسي : ماذا لو رآك أحد ، و أنت مع هذه المرأة ؟ من سيصدق أنك تعرض عليها الإسلام ..؟ ومن سيصدق أنها هي التي ابتدأتك بالسؤال ..؟
    لم تنتظر ردي ، وظنت أن صمتي علامة الرضا والموافقة ، فقالت :
    ـ أشكرك على قبول الدعوة .
    سرنا إلى الكافتيريا و أخذنا مكانا نائيا ، بعد أن طلبنا قهوتنا . وشرعت أحدثها عن الإسلام . أثناءها كنت أتوقف لحظات عن الحديث ، لأتيح لها فرصة السؤال عن نقاط محددة . كانت تسأل .. و كانت أسئلتها تدور حول قضايا لا علاقة لها مباشرة بالموضوع ، وأقرب ما تكون استجلاء لطبيعة شخصيتي ، وطريقتي في التفكير . لاحظت كذلك ، أنها تدون كل ما أقول .
    عند هذا الحد أنهيت الحديث ، واعتذرت ، متعللا بارتباطي بموعد سابق .
    حين هممت بالانصراف قالت :
    ـ كيف أعيد لك أوراقك ..؟ لقد نسيت أن تخبرني بعنوانك ...
    في واقع الأمر لم أنس ، ولكني لم أشأ أن تعرف أين أسكن . قلت :
    ـ أنا لا أبقى في البيت كثيرا .. سأكون غدا في المكتبة ، وباستطاعتك أن تتركيها لدى الموظف في قسم الإعارة .
    حملت نفسي ، وأنا أنوء ، ليس بذلك الحشد من الكتب ، التي تزدحم بها حقيبتي ، بل بوجع صرت أحسه يجثم على قلبي .
    صرت معذب بين قلبي وضميري ، يتجاذبني أمران : هواي الذي يزين لي الحديث مع هذه الفتاة باسم الدعوة ، وعقلي الذي تصيح به نفسي اللوامة :
    أنظر ما تصنع أنت تحوم حول الحمى توشك أن ترتع فيه .. ألا إن حمى الله محارمه .. ألا إن حمى الله محارمه ...
    كنت قد وصلت سيارتي ، فألقيت بجسدي على المقعد ، و وضعت رأسي على المقود . أحسست أني أتنفس بصعوبة . احتقنت عيناي بالدموع ، لكني لم أبك . وضعت المفاتيح ، وبدأت بتشغيل السيارة .
    في هذه اللحظة انطلق صوت القرآن نديا من جهاز التسجيل ، الذي كان في وضع التشغيل . يا الله ذاك الجفاف الذي كاد يخنقني ، وحاصر الدمع في عيني ، يتبدد على صدى النداء الخالد ، كلام الحق سبحانه ، فتدفق الدمع من محاجري حارا ، وصرت انشج مثل الأطفال . استغفرك ربي .. هذه شيطانة تعرضت لي ، سأطردها من خاطري ، سأجتثها من قلبي . آه يا قلبي .. ساعدني يا رب .. ساعدني .. فإن قلبي مصاب .
    نمت ليلتي تلك ، بعد أن صليت وتري ، وتضرعت بين يدي الله ، أن ينصرني على نفسي والشيطان .
    من الغد كنت في المكتبة في مكاني المعتاد ، في قاعة الإطروحات الجامعية ، التي تتصل عبر ممر ضيق بالجزء الخاص بالكتب التي نفدت من السوق ، ولم يعاد طباعتها . إما لأسباب قانونية ، أو لأن موضوعها قد تجاوزه الزمن .
    أفضل هذا المكان لهدوئه ، ولأن قلة من الطلاب يجلس فيه ، بسبب قدم المبنى ، وتهالك الطاولات ، كما أني أظن أن قليلا من الطلاب ، يتحمل نظرات باحث كبير السن ، لا يفارق ذلك المكان ، منذ عرفت الجامعة ، وعثرت صدفة على هذه الزاوية النائية في المكتبة . هذا الرجل يظل يحدق في أي قادم جديد إلى المكان ، وتزداد نظراته حدة عند أي صوت يحدث ، حتى ولو كان رفيف تقليب صفحات كتاب .
    استقريت على مقعدي ، وألقيت ابتسامة على رفيقي الباحث ، ... يتبع

  2. #2
    عضوة قمة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    419
    معدل تقييم المستوى
    14
    الذي حدجني بنظرة من خلف نظارته ، وبادلني ابتسامة بابتسامة . لقد اصبح بيني وبينه عقداً غير مكتوب ، قائم على الإقرار بحق كلينا في المكان . ربما بعد أن نسي في إحدى المرات محفظته ، فعثرت عليها ، و أعطيته إياها . فقال لي ، بعد أن فتشها أمامي ، ولم أكن أنا أعرف ما بداخلها ، أنت رجل أمين . كما أظن أني ملكت قلبه ، عندما أعطيته مرة فطيرة حمص . فقال بعد أن أكلها ، على جوع فيما يبدو ، إنها لذيذة ، أنت رجل لطيف .
    كان قد مر علي ثلاث ساعات تقريبا ، وأنا منهمك بالمذاكرة ، فلم أقم من مكاني ، وكان تركيزي جيدا . ربما كان هدوء المكان سببا من الأسباب . إحساسي بأهمية المادة وانسجامي معها سبب آخر .
    كنت في حال من السكينة النفسية لم أشعر بها من قبل ، حتى أنه لم يرد على خاطري أي من الأحداث والمواقف ، التي مررت بها خلال الأيام الماضية . طافت هذه الأفكار بسرعة في ذهني ، فابتسمت ابتسامة رضا عن نفسي ، وأنا ألقي نظرة متثائبة على الساعة ، التي عادة ما أجعلها تتمدد أمامي بكسل .. أحيانا ، وبقلق في أحايين أخرى .
    (مرحبا) ..
    هكذا خيل إلى أني سمعت . لم أرفع رأسي من الكتاب ، وقلت لنفسي بدأت الأوهام تعتريك ، لم لا أرتاح قليلا ، وأقرا بعض الصحف .. ؟
    (مرحبا) ..
    مرة أخرى .. كأنه صوتها ، رفعت رأسي ، وقلت مذهولا :
    ـ ديمي ..؟
    ـ هل أزعجتك ..؟
    (يا إلهي لم أكن واهما) ...
    ـ كيف عرفت مكاني يا ديمي ..؟
    ـ لم يكن صعبا .. شخص مثلك ، من السهل على من هو مثلي ، أن يعرف مفتاح شخصيته .هل نسيت أن تخصصي الفرعي علم نفس .. أه عفوا .. نسيت أن أخبرك ذلك . أنا بالمناسبة ، أدون في دفتر ملاحظاتي كل شيء عن الأشخاص الذين التقي بهم . هل يزعجك أن تعلم أني فعلت الشيء نفسه معك .. ؟ أرجو أن تعتبر سلوكي الغريب هذا ، نوعا من الفضول الأكاديمي .
    كنت أنظر إلى وجهها و أحس أنني أزداد تعلقا به ، وهي تحدثني بتلك الطريقة الواثقة . قلت وأنا أشعر بالقلق النفسي يتسرب شيئا فشيئا إلى نفسي :
    ـ ديمي كيف جئت إلى هنا .. ؟
    قالت مازحة:
    ـ وأنا واقفة .. ؟
    أشرت لها بالجلوس ، ورميت بابتسامة على شريكي في المكان ، الذي يبدو هو الأخر مستغربا من هذا الضيف المفاجئ ، وهو الذي لم يعهد لدي ضيوف أو زوار من أي نوع ، منذ أن جمعنا هذا المكان ، طوال سنوات الدراسة الثلاث الماضية ، ناهيك أن يكون (ضيفا) بهذا المستوى .. وبدا أنه أدرك الحرج الذي أنا فيه ، فمنحني ابتسامة من نوع مختلف جدا هذه المرة .
    نظرت إليها مستفهما ، انتظر أن تخبرني كيف استدلت على مكاني .. قالت :
    ـ أنت شخص جاد ، لديك اهتمامات خاصة . ربما بتأثير من الثقافة التي تنتمي إليها ، علاقاتك النسائية محدودة ، ولا يبدو أنك تسعى إلى شئ من ذلك . ضع هذه المعطيات في جانب . الأماكن الأخرى في المكتبة تكثر فيها الحركة ، ويكثر فيها تحرك الطالبات . نحن البنات نحب الاستعراض ، حتى في الأجواء الأكاديمية . النتيجة ، بناء على ما سبق ، ستكون في مكان مثل هذا . طبيعي أني لم آت إلى هنا مباشرة ، ولكن بعد مسح سريع للأماكن الأخرى ، تأكدت أنك إن كنت في المكتبة فلابد أن تكون في مثل هذا المكان .. توقعاتي صحيحة ، أليس كذلك .. ما رأيك ألست خبيرة (سايكولوجية) جيدة .. ؟
    هززت رأسي بالإيجاب ، وأنا اسحب من أعماقي آهة دوت في أذنيها .. قالت :
    ـ أنت متعب ؟
    ـ نوعا ما ..
    ـ هل أستطيع أن أفعل لك شيئا ..؟
    ـ لا .. شكرا ، أشعر فقط بشيء من الإجهاد . .
    (لماذا جئت يا ديمي .. أنا هارب منك) .. قلت لنفسي . يا ربي ساعدني ، فأنا اغرق أكثر فأكثر في لجتها . لم يعد لصوتها ، ووقع كلامها ، نفس الأثر كما كان لقاؤنا لأول مرة . الآن أريدها أن تبقى ، أريدها أن تتكلم .. ساعدني يا إلهي . انقطعت خواطري على صوتها تخاطبني :
    ـ أريد أن اعتذر ، لأني لم احضر أوراقك ...
    ـ ما دامت الحالة هكذا ، لم يكن هناك حاجة لكي تأتي ، وتشقي على نفسك ، فأنا أستطيع أنتظر يوما أو يومين ..
    ـ لا .. فأنا قد وعدتك أن أحضرها لك ، ولم أرغب أن أخل بوعدي .. إضافة إلى أني أود أن استكمل معك الحديث عن الاسلام ، إن لم يكن في ذلك ازعاج لك ..؟
    قلت وأنا أحاول أن أصرفها ، خاصة وأن الشعور بالذنب قد بدأ يشدد الخناق علي :
    ـ هل هناك شيء محدد .. ؟
    ـ هناك موضوعان ، وأعذرني فيما لو جرحت شعورك ، بعبارة لم أحسن استخدامها ، فأنا أحدثك بناء على الصورة النمطية للإسلام في ذهني ، والتي تراكمت ، ليس نتيجة تجربة شخصية ، ولكن من خلال التعرض لوسائل الإعلام .
    سكتت ، فنظرت إليها منتظرا أن ، تخبرني ماذا تريد أن تقول ..
    قالت ، وعيناها على عيني :
    ـ هل هناك مكان للتسامح والحب في الإسلام .. ؟
    طأطأت رأسي ، وتذكرت أني لابد أن أديم النظر إليها وأنا أحدثها ، مجيبا على سؤالها . هكذا هو العرف في ثقافتها ، و إلا كنت قليل أدب ، ومحتقر للطرف الآخر ، الذي أتحدث معه . يا إلهي ماذا أصنع ؟ لقد أصبح النظر إليها يعذبني مرتين . يعذب قلبي ، الذي تاه في فضاءات وجهها ، الذي أبدعت قدره الخالق في تصويره ، ويعذب نفسي التي تعلم أنها ترتع في حرام .
    يا إلهي ساعدني فإن قدمي تزل : هل أطيع نفسي وشيطاني ، الذي يتمسح بالعرف في ثقافتها .. وبالدعوة . أم أطيع نداء ضميري ، الذي يقول لي ، بل يصرخ بي :
    " إنك في دروب الغواية سائر " ؟ هل حقا يعنيك أن تحدثها عن الإسلام ..؟ أم يعنيك أن تتلذذ برؤية مواقع الجمال في وجهها العاجي الصغير . تطل على وجنتيها المتوردتين ، ثم تتأمل هاتين الشفتين القرمزيتين ، ثم تبحر في عينيها الزرقاوين ". ظنت أني حينما طأطأت رأسي ، وأطلت السكوت ، أنها قد أساءت لي بسؤالها ، فقالت :
    ـ أنا جد آسفة ، لم أتعمد أن أسئ إليك ، ولم أقصد أن انتقد الإسلام ، أو اتهمه بشيء .. ربما كان يجب أن أقول : كيف ينظر الإسلام للحب والتسامح ، مقارنة بثقافات أخرى .. ؟ أو ربما كان سؤالي سخيفا تماما ، ولا معنى له ...
    رفعت رأسي فالتقت عينانا . كان الشعور بالحرج ، والاحساس بالذنب ، قد صبغ وجهها بحمره ، فاستحال إلى شئ آخر مذهلا . عيناها انكسرتا بتذلل ، فأضافتا إلى ذلك كله مشهدا استولى علي ، فقلت بألم ظاهر :
    ـ ديمي يكفي ..
    فاستعبرت .. وقالت بصوت يتهدج :
    ـ سامحني ..
    ـ أنت لم تفعلي أي خطأ .. أنا فقط كنت أفكر بالطريقة التي أجيب بها على تساؤلاتك .
    كان مستحيلا أن تستمر عيناي معلقتان بوجهها . أي تبرير سيكون خداعا وغشا ، لا علاقة له بدعوة ، أو بتأليف قلب .. قلت لها :
    ـ ديمي هل تسمحين لي أن لا أطيل النظر إلى وجهك .. ؟ هناك مبررات لها علاقة بثقافتي .. وهي قطعا لا تنطوي على أي مضامين سلبية .. قد تأتي مناسبة أخرى ، وأوضح لك لماذا . وافقت .. وبدأت الحديث ..
    حدثتها عن التسامح كقيمة من قيم الإسلام الكبرى ، كما دلت على ذلك النصوص من القرآن والسنة . وعرضت لمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، كتطبيق عملي لتلك النصوص . موقفه صلى الله عليه وسلم من قريش يوم فتح مكة ، حينما قال لهم : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . وأخذتها في سياحة في تاريخ أمتنا العريق .
    كنت بين وقت وآخر ، اختلس نظرة لوجهها ، لأرى وقع كلامي عليها . كان التأثر باديا عليها ، لكن لم أكن أعلم يقينا ، هل ذلك بسبب ما أقول ، أم تفاعلا مع صوتي ، الذي بدا مجهدا ، حزينا ، وأحيانا متوسلا .. أن تقول : آمنت بدينك واتبعت الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..
    أم تراها أشفقت علي .. و هي ترى وجهي قد شحب ، حتى خلت أن الدم غاض منه ، وفاض في محياها ، الذي يزداد جمالا كلما ، ازدادت ألما ..
    سكت .. ثم نظرت إليها ، وقلت :
    ـ هذا ما لدي ..
    ـ عظيم .. رائع ، ماذا عن الحب .. ؟
    ـ آه الحب .. لم لا نؤجل ذلك إلى وقت آخر يا ديمي .. ؟
    كنت أريد أن ارتاح ، أن أضع حدا لهذا الأمر ، الذي لا أراه يقودني إلا إلى متاهة .. كلما سرت فيها .. أغرتني في التوغل أكثر . "ما أنا ولهذه المرأة " " أقول لنفسي . إن كانت تريد الإسلام ، فقد حصلت على ما يضع قدمها على الطريق إليه " .
    لماذا وقت آخر ..؟ لم لا أقول لها لا وقت لدي ، فكري بما تحدثنا به ، واتصلي بالمركز الإسلامي لمزيد من المعلومات . هل أعترف بعجزي ، بل خوفي من أن أقول لها ذلك ..؟
    لا .. لا أظن إلا أنني سأتوقف عند هذا الحد ، قبل أن أصل لمرحلة أكون فيها عاجزا عن فعل أي شئ تماما ..
    قطعت حبل أفكاري و قلت :
    ـ ديمي .. أنا بحاجة إلى أوراقي في أقرب فرصة ، ليس لدي وقت كاف لتغطية المقرر ، والامتحان كما تعلمين بعد ثلاثة أيام ، ولدي امتحانات أخرى ..
    ـ عفوا ،يبدو ... يتبع

  3. #3
    عضوة قمة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    419
    معدل تقييم المستوى
    14
    .. تابع، صفحة 3 من 7
    أني أضعت وقتك ، و أزعجتك جدا بتصرفاتي الحمقاء ، لم أدرك كم أنت مشغول ومتعب ...
    قالت معتذرة .. ثم أضافت :
    ـ ما رأيك لو نذاكر مقرر الدكتور اندرسون .. (مناهج البحث) معا 0 أستطيع أن أنفعك كثيرا في الإحصاء ، بحكم دراستي لعلم النفس .. و أنت ستفيدني في النظريات ، وهو ما لاحظته ، من خلال تعليقاتك المهمة على محاضرات دكتور فريدمان .
    يا إلهى هل أنا بحاجة لعرض مثل هذا ..؟
    قلت لها :
    ـ لا .. لا أظن أني سأفيدك .. فأنا طريقتي في الدراسة متعبة ، لمن لم يعتد عليها ..
    ـ كما تشاء .. أين ستكون الليلة لأحضر لك أوراقك ..؟
    فاجأني سؤالها ، فقلت :
    ـ آه ... الليلة سأذهب لشراء بعض الأغراض الشخصية من مركز (رينبو كلر مول) 0 ردت بسرعة :
    ـ جيدا جدا ، المكان قريب من حيث أسكن ، متى ستكون هناك ..؟
    ـ بين السادسة والسابعة ..
    تعمدت أن لا أعطيها وقتا محددا ، حتى أجعلها تغير رأيها في شأن مقابلتي ، رغم حاجتي الماسة لأوراقي .. قالت :
    ـ ما رأيك لو نتقابل الساعة السابعة وعشر دقائق في مقهى (الكيف دوماسيه) في الطابق الأول ، على يمنيك وأنت خارج من المصعد ؟
    اتفقنا على المكان والوقت .. وانصرفت ، لتتركني مع همومي وأوجاعي ، التي صارت تتضاعف بعد كل لقاء أراها ، وأحدثها فيه ..
    ألقيت بيدي على جانبي الكرسي ، وأسدلت رأسي على كتفي ، وتنفست نفسا عميقا . لم ْأنتبه إلا على صوت (مارك) ، شريكي في المكان ، الذي انتشلني من حالة تفكير عميق ، استرسلت فيه .. قال :
    ـ لابد أنه كان موضوعا ساخنا ..؟
    ألتفت إليه ، وتذكرت أني نسيت كل شئ ، حين حضرت ديمي ، بما في ذلك مارك الذي يزعجه أي شئ . قلت مجيبا على سؤاله ، الذي لا يخلو من خبث :
    ـ لا بد أنك تحملت كثيرا يا مارك ، فمعذرة ..
    حاولت العودة إلى دروسي مرة ثانية ، لكن أنّى لي ذلك . قلبت الكتاب مرة ، ومرتين ، وثلاث ، دون فائدة . أصبح رأسي مملوءا بها . بوجهها .. وبصوتها .. واليوم أضيف إلى ذلك بكاؤها ، وعبرتها .. إذ تخنق صوتها المتهدج .. فتحيله إلى شيء خرافي ...
    الساعة تقترب من الواحدة .. لم يبق على صلاة الظهر كثيرا . فكرت أن أذهب إلى المركز الإسلامي ، أقرأ شيئا من القرآن ، وأصلي الظهر جماعة ، مع من يكون موجودا من الإخوة . لا شك أني سأرتاح مع كلام ربي ، وفي بيت من بيوته ، ومع اخوة لي ، تذكرني بالله رؤيتهم ..
    هكذا قلت لنفسي ، وأنا أجمع كتبي وأوراقي ، وساعتي الممددة على الطاولة . عندما حملت أوراقي ، وشرعت بالمسير رمقت مارك بنظرة ، فبادرني قائلا :
    ـ الإنسان يحتاج إلى الراحة والهدوء ، بعد كل مرة يلتقي بواحدة منهن ..
    ـ ماذا تقصد ..؟
    ـ النساء طبعا .. لذلك تراني قد تخلصت من هذا الصداع . أنت شاب .. أنا أفهم ذلك ، لكن حاول أن تتلافى مثل هذه الأشياء .. في فترة الامتحانات على الأخص ..
    ـ شكرا مارك ..
    قلت ، وأنا استدير منصرفا ، ثم تمتمت في نفسي :
    الأمر أكبر مما تتصوره ..
    وصلت المسجد .. قرأت ما تيسر ، وصليت . لكن .. لم يكن هناك مجال للحديث مع أحد . الكل مشغول بالامتحانات . صحيح أنني أكثر راحة من ذي قبل ، لكني أشعر بالم في داخلي . خرجت من المسجد ، و توجهت إلى منزلي . حين دخلت ، رميت بكل شيء على طاولة الطعام ..عند المدخل ، و وجدت صعوبة في خلع حذائي . سحبت نفسي و تهالكت على الأريكة في الصالة .
    حينما تغشاني النعاس .. و بدأ جسمي يفتر .. دق الهاتف ، رفعت السماعة ، فجاءني الصوت ناعما .. يقول :
    ـ هذا أنت
    قلت بإحباط :
    ـ ماذا ..؟
    ـ أوه .. آسفة لابد أنه رقم خطأ .. !
    للحظة داخلني ألم شديد ، ظننت أنها هي ، وسيطر علي هم واحد ، كيف عرفت
    رقمي ..! سحبت سلك الهاتف ، ورميت بنفسي على فراشي . أريد شيئا واحدا .. أريد أن انساها .. لعل الله أن يلهمني شيئا في منامي ، يخلصني من هذا البلاء .
    نمت نوما عميقا لساعتين أو اكثر . هذه أول مرة أنام فيها .. منذ تعرضت لي هذه
    ( الساحرة ) ، دون أن تكدر أحلامي الكوابيس . استيقظت وصليت العصر ، ووقفت طويلا بين يدي خالقي .
    غدا الجمعة يوم مبارك ، وفيه ساعة استجابة . سألح على ربي بالدعاء ، ففي قلبي من تلك المرأة شئ كثير ، رغم أني أدعي خلاف ذلك . لن أذهب إلى المكتبة ، أو إلى أي مكان آخر . لقد صار يخيل لي أنها ستطلع لي في كل مكان .
    تناولت كتاب الإحصاء ، وبعد قليل وجدت أن لا فائدة من معالجة هذا الإحصاء اللعين . كيف يقول عبد العزيز ، عن هذه المادة الكريهة ، أنها رياضة العقل ..؟! رياضة ..؟! هذا تمحك بالكلام لا معنى له . أليس عجيبا أن تتمكن ديمي من هذه المادة الثقيلة المعقدة ، وهي الفتاة اللعوب ، التي أقرب ما تكون للدمية البسيطة ، المعدة لكل أنواع الترفيه واللعب ، منها إلى ( كائن ) مهيأ للتعامل مع مسائل عقلية جامدة ..؟
    كيف يجتمع وداعة ورقة ديمي .. وتعقيد الإحصاء وثقل ظله ..؟ هل هذه من نبوءات الشاعر العربي القديم ، الذي قال :
    ضدان لما اجتمعا حسنا .... والضد يظهر حسنة الضد .
    إذا كان حسن ديمي أمر مفروغ منه .. أين الحسن في الإحصاء ..؟ آه ... يبدو أن هذا الإحصاء سيحولني فيلسوفا .
    رياضة ..؟ سامحك الله يا عبد العزيز ..
    هل قلت رياضة ...؟! وجدتها .. سأتصل به ، يا رب ليته يكون موجودا .
    ـ ألو .. السلام عليكم ، كيف الحال يا رياض ، هل أزعجتك ..؟ جزاك الله خيرا .. وأنا كذلك آنس بسماع صوتك .. لدى مشكلة بسيطة ... لا .. مجرد أزمة مع مادة الإحصاء .. وحيث أن سلطتك عليها نافذة ، فإني آمل أن تنصفني منها ...! شرط .. ما هو شرطك ..؟ الله أكبر... أنت أروع من أحتكم إليه .. تمكنني من عدوي الإحصاء ، وتعشيني كبابا ، سآتيك خلال دقائق .. هل أحضر معي شيئا .. غير الإحصاء طبعا .. ثلج وكولا ..؟ حسنا مع السلامة ..
    شكرا يا عبد العزيز لولا كلمتك (رياضة) ، لما تذكرت رياض ...
    ربي .. هل هذه بوادر النصر على الشيطان ... على الهوى .. على فتنه ديمي ، التي تكاد تسحب قدمي ..؟ ربي إن موعد لقاءها يقترب ، وأنا أقاوم .. ما دمت بعيدا عنها ، لكني حالما أراها تغلبني نفسي .. ، ما يعذبني يا ربي ، أن كل هذا يحدث باسم دعوتها إلى الإسلام . ربي كانت نفسي تحدثني أن ألجأ إلى ديمي لتساعدني في الإحصاء ، فلجأت إليك ولم تخيب رجائي ، ربي الوقت يمضي بسرعة .. فكن معي يا ربي .
    قضيت وقتا ممتعا مع رياض . شاب من خيره الاخوة أدبا ، وخلقا ، وعلما . متزوج وأب لطفل .. شعرت بحرج ، إذ لم أكن أعلم بأن زوجته قد عادت من بلدها ، بعد أن اضطرت لملازمة والدتها المريضة لفترة من الوقت ، بقى رياض خلالها لوحده .
    قلت لرياض معتذرا :
    ـ لقد سطوت على وقت غيري .. فلم أكن أعلم أن الأهل قـد عادوا .
    قال بروح الدعابة ، التي لا تفارقه :
    ـ لقد رأت أم الحارث ، يعني زوجته ، أن نتعشى معاً يوما دون يوم ، حتى توطن نفسها على طبيعة الحياة ، بوجود زوجة ثانية .
    قلت له مازحـا :
    ـ اعتقد أنها ضحكت عليك ، ما دامت المسألة مجرد فكرة .
    ـ لا ... فأنا اتبع معها سياسة الخطوة خطوة . لقد كسرت الحاجز النفسي ، تجاه وجود امرأة ثانية معنا ، أي (حقها في الوجود) ، نحن الآن في مرحلة التطبيع ، أي إمكانية التعايش في مكان واحد ، أي تحت سقف مظلة (إقليمية)..، أقصد بيت واحد ... !
    ضحكنا ، ثم أضاف :
    ـ يحسن بنا أن نغير الحديث ، فالحلا و الشاي لم يصلا بعد من عند أم الحارث ، ولا نريد أن نقع ضحايا مقاطعة من أي نوع .
    شرح لي رياض الإحصاء كأحسن ما يكون ، وأحسست أن مغاليق المادة فد انفتحت لي ، وانزاح عن صدري عبء كبير ...
    صلينا المغرب ، وأكرمني رياض وأم الحارث بكأس من الزنجبيل . كنت ساكنا جدا ، وأنا أحمل الحارث لأقبله ، استعدادا للخروج . طعم الزنجبيل الدافئ اللذيذ ، وابتسامة الحارث العذبة ، وعبارات الود والمجاملة ، التي أغدقها علي رياض ، هي آخر ما كنت أظن أني سأحمله معي من هذه الأمسية الجميلة .
    كنت أنظر إلى ساعة الحائط ، التي تشير إلى السادسة والنصف ، حينما وضعت الحارث بعد أن طبعت قبلة على جبينه ، و كنت .على وشك أن أهم بالخروج ، عندما قال لي رياض ، بدون مقدمات :
    ـ مصعب .. ألم تفكر في الزواج ..؟
    امتقع لوني وارتبكت .. قلت في نفسي : (هل تراه لاحظ علي شيئا .. هل رآني معها .. ؟) أجبت ، وأنا أحاول أن أبدو طبيعيا :
    ـ تكلمت مع الوالدة بهذا الشأن ..
    قال ضاحكا ، وهو يضغط على يدي :
    ـ إذن الإشاعة التي تقول أنك ستتزوج أمريكية ليست صحيحة ..؟!!
    جف حلقي ، ونظرت إليه بشك ، وقلت بصوت متقطع :
    ـ إشاعة .. أية إشاعة ..؟
    ضحك وقال :
    ـ رأيتك أنا ... يتبع

  4. #4
    عضوة قمة
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    419
    معدل تقييم المستوى
    14
    و عبد الرحمن ، تتحدث مع العميدة كارولين ديفز ، عميدة شئون الطلبة الأجانب .. فقال عبد الرحمن ، لو يضحي مصعب ، ويتزوج هذه العجوز ، لقدم خدمة عظيمة لجمعية الطلبة المسلمين .
    شعرت كأنما سكب علي ماء بارد ، ولم أحس بشيء من حولي سوى يد رياض ، التي ما زالت ممسكة بيدي ، و صدى ضحكته المجلجلة ، التي أطلقها بعد تعليقه الساخر ، على حديثي مع عميده الطلاب الأجانب .. ابتسمت ابتسامة مرة ، وأنا اسحب يدي من يده مودعا كنت وأنا أجر خطواتي ثقيلة إلى السيارة ، أحس كأني ناهض الساعة من فراش المرض . لقد أرعبتني يا رياض بمزحتك الثقيلة ، كيف لو كان التي رأيتموني أحدثها تلك ( الساحرة ) ، هل كنتم ستقولون يقدم خدمة جلى للإسلام ..؟! هل ستكون الإشاعة ، (التي ما كانت) .. أنني سأتزوجها .. أم شيئا آخر ..؟
    على أية حال (جاءت سليمة) ، كما يقولون في الأمثال . هل هذا إنذار لي من ربي بأنه مازال يستر علي ، رغم إصراري على فضح نفسي . يا ربي ساعدني ، فإني أشعر أني ازداد ضعفا كلما ازداد الوقت اقترابا .
    وصلت (الكيف دوماسيه) متأخرا عشر دقائق ، وكنت أمني نفسي أن لا أجدها ، بعد هذا التأخير . حينما وضعت قدمي على مدخل المحل ، رأيتها جالسة على إحدى الطاولات . كنت عازما على أن لا أنجر معها في أي حديث ، أن آخذ أوراقي وأمضي .
    لم يبد أنها متضايقة من تأخري ، بل إنها بادرتني ، بعد أن وصلت إليها ، بالتحية والاعتذار ، قائلة :
    ـ أنا آسفة ، لقد تأخرت عليك ، لقد وصلت الآن .. لعلك جئت ولم تجدني على الموعد الذي اتفقنا عليه ..؟
    لم تكن صادقة ، فالقهوة في كوبها باردة ، ولم يبقى منها إلا أزيد من النصف بقليل ، وكان واضحا أنها وصلت إلى هنا على الموعد ، أو ربما قبله بخمس دقائق ، لكنها أرادت أن تلطف الجو بهذا التبرير المهذب ..
    قلت :
    ـ لا .. أنا الذي تأخرت ، لارتباطي بموعد سابق .. أنا آسف .
    ظللت واقفا ، بانتظار أن تعطيني أوراقي لأنصرف ، لكنها لم تفعل ، بل قالت :
    ـ ألا تجلس ..؟
    ـ أنا مستعجل .. ومشغول كما تعلمين .
    نظرت إلى نظرة ملؤها استعطاف ، وقالت :
    ـ لقد طلبت لك كوب قهوة ، وأعدك .. لن يكون هناك أحاديث ، من أي نوع ..
    جلست دون أن أتكلم .. جاءت القهوة ، قالت :
    ـ دعني أخدمك .. ما مقدار السكر ..؟
    ـ مكعبين ..
    ـ حليب ..؟
    ـ نعم ..
    خفقتها بالملعقة ثم قدمتها لي .
    ـ شكرا ..
    خيم علينا الصمت ، أكره مثل هذه المواقف .. لكن ماذا أصنع ، لا أستطيع أن أتمادى اكثر ، العلاقة تنحو في اتجاه لم أعد أسيطر عليه ، مهما بررت لنفسي نبل الغاية . شعرت هي بالإحراج .. قالت :
    ـ أطلب لك شيئا تأكله .. أنا سأطلب لنفسي (كروسون) ..؟
    ـ لا .. شكرا ..
    قالت ، محاولة دفعي للكلام :
    ـ كيف الإحصاء ..؟
    ـ ممتاز ..
    ـ حقا .. هذه أخبار سارة ، كنت أنوي أن أعرض المساعدة .
    ـ أحد الأصدقاء ساعدني ..
    ردت بلهجة لا تخلو من الغيرة :
    ـ لابد أنها صديقة خاصة ..
    أجبت بحزم :
    ـ إنه صديق ..
    خجلت .. و قالت :
    ـ من بلدك .. ؟
    ـ نوعا ما .. إذا اعتبرنا الوطن العربي الكبير بلد واحد ..
    علقت .. وهي تفرج عن ابتسامة مترددة :
    ـ هذا الكلام كأنه سياسة ، وأنا لا افهم في السياسة كثيرا ..
    ابتسمت ابتسامة باهتة ، دون أن أعقب ، ونظرت إلى ساعتي ، ففهمت ما اقصد .. فقالت :
    ـ تريد أن تذهب ، كنت قد نويت أن أدعوك إلى مطعم (هاي رووف) .. إنهم يقدمون عرضا خاصا ، ليلة كل جمعة
    ـ .. يؤسفني أن لا أكون قادرا على تلبية دعوتك ، فقد تعشيت عند أحد الأصدقاء قبل أن آتيك .. كما أني مشغول كما أخبرتك من قبل ..
    ثم أضفت ، محاولا تعزيتها لرفضي دعوتها ، وتعاملي معها بهذه الطريقة الرسمية جدا :
    ـ تستطيعين أن تذهبي الليلة وحدك .. وآمل أن تتاح لنا الفرصة معا .. مستقبلا ..
    رأيت الانكسار والخيبة على وجهها ، وهي ترد علي بأسى :
    ـ العرض مفتوح لشخصين فأكثر فقط .. وعلى أي حال ، لن أموت جوعا في هذه المدينة المليئة بالمطاعم الرديئة ، التي تفتح أبوابها باستمرار ، للخائبين أمثالي ...
    نهضت .. و توجهت لأدفع ثمن القهوة و الكروسون ، الذي لم تأكله .. رمقتني بنظرة عتاب ، و قالت :
    ـ أنت ضيفي .. رغم اني مضيفة ثقيلة الظل ..
    طأطأت رأسي ولم أرد . دفعت ثمن القهوة ، ثم اتجهنا معا إلى مواقف السيارات ، دون أن يحدث أحدنا الآخر . شعرت بتأنيب ضمير على هذا الجفاء ، الذي عاملتها به ، وقبل أن نفترق ، كل إلى سيارته ، التفت إليها ، و قلت :
    ـ ديمي سامحيني ..
    نظرت إلي بعينين تفيضان بالألم .. وقالت :
    ـ لا شيء ألبته ..
    حينما ركبت سيارتي انتبهت إلى الكيس الذي حملني إياه رياض ، والمملوء بما بقى من عشائنا . أسرعت بالسيارة في اتجاهها ، وحينما حاذيتها ناديتها :
    ـ ديمي ..
    التفتت ، وكأن صوتي هاتف نزل عليها من السماء . كانت تبكي ، فانقبض قلبي ، لكني تحاملت ، وقلت :
    ـ معي طعام لذيذ جدا ، يحتاج إلى تسخين فقط ، اعتبريه اعتذارا غير كامل ، على تصرف فج ..
    إنداحت على صفحة وجهها دوائر من السرور ، فأخذته ، وهي تقول :
    ـ اقبله .. ليس على إنه اعتذار .. إنه شيء أكثر من ذلك .. طابت ليلتك ، وأمل أن يحالفك التوفيق في امتحاناتك .. إلى اللقاء يوم الاثنين ، في امتحان الدكتور اندرسون .
    في أعماقي لم أكن مرتاحا للطريقة التي تم بها اللقاء ، نفسي تنازعني إليها ، فكرت أن اعتذر لها يوم الاثنين . لكن عن ماذا .. يقول لي عقلي هذه المرة .. ؟ .
    وساوس النفس والشيطان تقول لي : (قد تأثم بتنفيرها من الإسلام) . في قرارة نفسي أعلم أنه الهوى والرغبة فيها لذاتها ، وإن كان مع حظ النفس شيئا للإسلام ، فلا بأس . لو كان رجلا ، أو حتى امرأة قليلة الحظ من الجمال ، اكنت تتعب كل هذا التعب ..
    اكنت تلوم نفسك .. كل هذا اللوم .. ؟
    حين وصلت البيت كان الصراع داخل نفسي قد بلغ مني مبلغة ، بكيت .. بكيت كثيرا ، بكيت حينما تذكرت ، أنني الليلة حدثتني نفسي أن أضع يدي في يدها ، و أقول لها وداعا . داهمني شيطاني بفكرة أن ملامسة يدي لكفها ستطفئ هذه النيران المشتعلة في جوفي ، وأن الرغبة المتقدة في داخلي ستخبو ، بمجرد أن أحس بنبضها ينتفض في كفي ..
    نحن هكذا نتوتر أمام كل تجربة جديدة ، أو مغامرة مجهولة .. كان هذا حديث نفسي ..
    " كف يا شيطاني " . هذه آخر صيحة دوت في داخلي ، حينما تراجعت عن تلك الفكرة السيئة .. في تلك اللحظة أيضا .. تذكرت (خالد) ، عندما قرأ سورة النازعات ، يوم صلى بنا العشاء قبل أسبوعين 0 تذكرت خالد ، عندما عجز عن إكمال السورة لأكثر من عشر دقائق .. بعد أن غلبه البكاء وهو يقرأ :
    " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى "
    ظل خالد يرددها ويغلبه البكاء 0 لم أبك في حياتي مثل تلك الليلة 0 كان صوت خالد الندي يكاد يتشقق عندما يصل إلى قوله تعالى : "مقام ربه" .
    يا لهول الموقف .. ثم حينما يصل إلى :
    "ونهى النفس عن الهوى" .. يخيل إلى أن كل ما فيه يبكي . كنت أبصر جسده كله يرتعش ، لحظة ينطق لسانه بكلمة الهوى . يشرق بالدمع ثم ينتحب نحيبا يصدع الجبال الصم . وعندما جذب من أعماقه الآية التي تليها :
    " يسألونك عن الساعة " شهق شهقة حسبت روحه تخرج معها .
    خالد رجل رباني ، بكاء ، يستشعر الموقف بين يدي المولى سبحانه . وإذا بكى ، وكثيرا ما يفعل ، يذيب جلاميد الصخر . آه يا خالد ليت لي قلبك .. ليت لي رهافة إحساسك . ليته لي .. حتى أخاف مقام ربي ، و أنهي نفسي عن الهوى . ليت لي .. حتى أكون كما قلت :
    من استشعر الموقف هان كل شئ من أمر الدنيا في عينيه .. حتى لو كانت ديمي بكل فتنتها وإغوائها .
    مر علي ساعتان وأنا على هذه الحالة ، بكيت حتى خلت أني اغتسلت كلي بدموعي . أحسست أن الدمع الحار ، الذي سال غزيرا من مآقي ، قد غسل كل العناء في قلبي ، صليت خلالها العشاء ، كما لم أصلى مثل تلك الصلاة في حياتي . شعرت كم تكون الصلاة لذيذة حينما يكون القلب مشرعا لنداء السماء ، وكم تكون الصلاة ذات معنى حينما لا تستشعر حولك إلا الموقف .. والصحف تتطاير .
    يا الله أي عالم علوي كنت تسبح فيه يا خالد ، وأنا أطارد سرابا .. وهما .. شيطانا . أأبلغ ما تبلغه ، وأنا ألهث خلف المحسوس ، الفاني الذي سيأكله الدود ، قبل أن يخالطه التراب ، وأنت الذي تحلق في اللا محسوس ، في السرمدي .. في تلك الآفاق النورانية .
    ما الجسد يا خالد إلا امتداد للدوني ، للحضيض ، للأرضي ، لذلك حري به أن يجعل من يتطلع إليه ، ويلبي رغباته أن يلتصق بالأرض ، لماذا .. ؟ لأنه انسلخ من العلوي ، واتبع هواه .. اتبع هواه ... يتبع

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. من واحد إلى خمسة و دخلي ثلجة بظهر اللي تبغين هع * اللهم صل على محمد *
    بواسطة مــــــــــاريه في المنتدى استراحة
    مشاركات: 123
    آخر مشاركة: 05-04-2012, 07:30 PM
  2. مشاركات: 175
    آخر مشاركة: 11-03-2012, 05:22 AM
  3. الله يخلي بعادك ..[ أحلى عيدية غيابك ..]..!
    بواسطة أفنـ ـ ـ ـ ـان!! في المنتدى رسائل الجوال
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 13-11-2010, 12:57 PM
  4. د/محمد الحضيف في سطور...على لسانه..
    بواسطة هادئة في المنتدى الأدب
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 22-10-2008, 04:57 PM
  5. خبر موجع..هديل الحضيف...توفيت
    بواسطة هديــــل في المنتدى المجلس العام
    مشاركات: 38
    آخر مشاركة: 20-05-2008, 12:50 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر

مواقع النشر

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

أهم المواضيع

المطبخ

من مواقعنا

صفحاتنا الاجتماعية

المنتديات

ازياء | العناية بالبشرة | رجيم | فساتين زفاف 2017 | سوق نسائي | طريقة عمل البيتزا | غرف نوم 2017 | ازياء محجبات | العناية بالشعر | انقاص الوزن | فساتين سهرة | اجهزة منزلية | غرف نوم اطفال | صور ورد | ازياء اطفال | شتاء | زيادة الوزن | جمالك | كروشيه | رسائل حب 2017 | صور مساء الخير | رسائل مساء الخير | لانجري | تمارين | وظائف نسائية | اكسسوارات | جمعة مباركة | مكياج | تسريحات | عروس | تفسير الاحلام | مطبخ | رسائل صباح الخير | صور صباح الخير | اسماء بنات | اسماء اولاد | اتيكيت | اشغال يدوية | الحياة الزوجية | العناية بالطفل | الحمل والولادة | ديكورات | صور حب | طريقة عمل القرصان | طريقة عمل الكريب | طريقة عمل المندي |