كتاب آداب النكاح(الكتاب كامل)
صفحة 1 من 8 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 4 من 31

الموضوع: كتاب آداب النكاح(الكتاب كامل)

  1. #1
    محررة مبدعة الصورة الرمزية نبع الوفاء
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    مكة المكرمه
    المشاركات
    5,766
    معدل تقييم المستوى
    27

    Post كتاب آداب النكاح(الكتاب كامل)

    كتاب آداب النكاح
    وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى فهي تتوالى عليهم اختيارا وقهرا ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وسلط على الخلق شهوة اضطرهم بها الحراثة جبرا واستبقى بهم نسلهم إقهارا وقسرا ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدرا فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ردعا وزجرا وجعل اقتحامه جريمة فاحشة وأمر إمرا وندب إلى النكاح وحث عليه استحبابا وأمرا فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدما وكسرا ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقا وجعله لكسر الموت جبرا تنبيها على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعاً وضراً وخيراً وشراً وعسراً ويسراً وطياً ونشراً والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاة لا يستطيع لها الحساب عداً ولا حصراً وسلم تسليماً كثيرا .


    أما بعد فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين فما أحراه بان تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله وأبوابه والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب:
    · الباب الأول : في الترغيب فيه وعنه .
    · الباب الثاني : في الآداب المرعية في العقد والعاقدين .
    · الباب الثالث : في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق .


    الباب الأول
    في الترغيب في النكاح والترغيب عنه
    اعلم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه أفضل من التخلي لعبادة الله واعترف آخرون بفضله ولكن قدموا عليه التخلي لعبادة الله مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقانا يشوش الحال ويدعو إلى الوقاع وقال آخرون الأفضل تركه في زماننا هذا وقد كان له فضيلة من قبل إذ لم تكن الأكساب محظورة وأخلاق النساء مذمومة ولا ينكشف الحق فيه إلا بأن نقدم أولا ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه والترغيب عنه ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منها
    الترغيب في النكاح أما من الآيات فقد قال تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم) [1] وهذا أمر وقال تعالى (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) [2] وهذا منع من العضل ونهي عنه وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) [3]فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) [4] الآية ويقال إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين فقالوا إن يحيى صلى الله عليه وسلم قد تزوج ولم يجامع قيل إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة وقيل لغض البصر وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له.


    وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني) وقال صلى الله عليه وسلم (النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي)[5] وقال أيضا صلى الله عليه وسلم (تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط)[6] وقال أيضا صلى الله عليه وسلم (من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي)[7] وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا)[8] وهذا ذم لعلة الامتناع لا لأصل الترك وقال صلى الله عليه وسلم (من كان ذا طول فليتزوج)[9] وقال (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فليصم فإن الصوم له وجاء)[10] وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم وقال صلى الله عليه وسلم (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)[11] وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف الفساد وقال صلى الله عليه وسلم (من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله)[12] وقال صلى الله عليه وسلم (من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني)[13] وهذا أيضا إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصنا من الفساد فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه وقد كفى بالتزويج أحدهما وقال صلى الله عليه وسلم (كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له)[14] ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح.


    وأما الآثار فقال عمر رضي الله عنه (لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور) فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين وقال ابن عباس رضي الله عنهما (لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج) يحتمل أن جعله من النسك وتتمة له ولكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب ولذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريبا وغيرهما ويقول إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول (لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزبا) ومات امرأتان لمعاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون وكان هو أيضا مطعونا فقال (زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزبا) وهذا منهما يدل على أنهما رأيا في النكاح فضلا لا من حيث التحرز عن غائلة الشهوة وكان عمر رضي الله عنه يكثر النكاح ويقول ما أتزوج إلا لأجل الولد.

    وكان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا تتزوج) فقال يا رسول الله (إني فقير لا شيء لي وأنقطع عن خدمتك) فسكت ثم عاد ثانيا فأعاد الجواب ثم تفكر الصحابي وقال والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي وما يقربني إلى الله مني ولئن قال لي الثالثة لأفعلن فقال له الثالثة (ألا تتزوج) قال فقلت يا رسول الله (زوجني) قال (اذهب إلى بني فلان فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني فتاتكم) قال فقلت (يا رسول الله لا شيء لي) فقال لأصحابه (اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب) فجمعوا له فذهبوا به إلى القوم فأنكحوه فقال له (أولم) وجمعوا له من الأصحاب شاة للوليمة.[15] وهذا التكرير يدل على فضل في نفس النكاح ويحتمل أنه توسم فيه الحاجة إلى النكاح.
    وحكى أن بعض العباد في الأمم السالفة فاق أهل زمانه في العبادة فذكر لنبي زمانه حسن عبادته فقال نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة فاغتم العابد لما سمع ذلك فسأل النبي عن ذلك فقال أنت تارك للتزويج فقال لست أحرمه ولكني فقير وأنا عيال على الناس قال أنا أزوجك ابنتي فزوجه النبي عليه السلام ابنته.

    وقال بشر بن الحرث فضل على أحمد بن حنبل بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي فقط ولاتساعه في النكاح وضيقي عنه ولأنه نصب إماما للعامة. ويقال إن أحمد رحمه الله تزوج في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله وقال أكره أن أبيت عزبا وأما بشر فإنه لما قيل له إن الناس يتكلمون فيك لتركك النكاح ويقولون هو تارك للسنة فقال قولوا لهم هو مشغول بالفرض عن السنة وعوتب مرة أخرى فقال ما يمنعني من التزويج إلا قوله تعالى " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" [16]فذكر ذلك لأحمد فقال وأين مثل بشر إنه قعد على مثل حد السنان ومع ذلك فقد روي انه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال رفعت منازلي في الجنة وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين وفي رواية قال لي ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال فقلنا له ما فعل أبو نصر التمار فقال رفع فوقي بسبعين درجة قلنا بماذا فقد كنا نراك فوقه قال بصبره على بنياته والعيال.
    وقال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا رضي الله عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له أربع نسوة وسبع عشرة سرية فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة فقال لروعة منك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه قال فما الذي يمنعك من النكاح فقال مالي حاجة في امرأة وما أريد أن أغر امرأة بنفسي.

    وقد قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من متأهل افضل من سبعين ركعة من عزب وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح فقد قال صلى الله عليه وسلم (خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد)[17]. وقال صلى الله عليه وسلم (يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك.)[18] وفي الخبر قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين.[19]


    وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار وقال أيضا الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل وقال مرة ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى وقال أيضا ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشا أو تزوج امرأة أو كتب الحديث.
    وقال الحسن رحمه الله إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل ولا مال. وقال ابن أبي الحوارى تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على انه ليس معناه أن لا يكونا له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي سليمان الداراني ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم.
    وبالجملة لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقا إلا مقرونا بشرط وأما الترغيب في النكاح فقد ورد مطلقا ومقرونا بشرط. فلنكشف الغطاء عنه بحصر آفات النكاح وفوائده.

  2. #2
    محررة مبدعة الصورة الرمزية نبع الوفاء
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    مكة المكرمه
    المشاركات
    5,766
    معدل تقييم المستوى
    27
    [1] سورة النور الآية :32
    [2]سورة البقرة الآية :232
    [3] سورة الرعد الآية : 38
    [4] سورة الفرقان الآية :74
    [5] حديث النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي أخرجه أبو يعلى في مسنده مع تقديم وتأخير من حديث ابن عباس بسند حسن.
    [6] حديث تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط أخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر دون قوله حتى بالسقط وإسناده ضعيف وذكره بهذه الزيادة البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه بلغه.
    [7] حديث من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي متفق على أوله من حديث أنس من رغب عن سنتي فليس مني وباقيه تقدم قبله بحديث.
    [8] حديث من ترك التزويج خوف العيلة فليس منا رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد بسند ضعيف وللدارمي في مسنده والبغوي في معجمه وأبي داود في المراسيل من حديث أبي نجيح من قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منا وأبو نجيح اختلف في صحبته.
    [9] حديث من كان ذا طول فليتزوج أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة بسند ضعيف.
    [10] حديث من استطاع منكم الباءة فليتزوج الحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود.
    [11] حديث إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ونقل عن البخاري أنه لم يعده محفوظا وقال أبو داود إنه خطأ ورواه الترمذي أيضا من حديث أبي حاتم المزني وحسنه ورواه أبو داود في المراسيل وأعله ابن القطان بإرساله وضعف رواته.
    [12] حديث من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله عز وجل أخرجه أحمد بسند ضعيف من حديث معاذ بن أنس من أعطى لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه.
    [13] حديث من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر الآخر أخرجه ابن الجوزي في العلل من حديث أنس بسند ضعيف وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ فقد استكمل نصف الإيمان وفي المستدرك وصحح إسناده بلفظ من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينهالحديث.
    [14] حديث كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاثة فذكر فيه وولد صالح يدعو له أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بنحوه الحديث.
    [15] حديث كان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تتزوج الحديث أخرجه أحمد من حديث ربيعة الأسلمي في حديث طويل وهو صاحب القصة بإسناد حسن.
    [16] سورة البقرة الآية :228
    [17] حديث خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد أخرجه أبو يعلى من حديث حذيفة ورواه الخطابي في العزلة من حديثه وحديث أبي أمامة وكلاهما ضعيف.
    [18] حديث يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطبق فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك أخرجه الخطابي في العزلة من حديث ابن مسعود نحوه وللبيهقي في الزهد نحوه في حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف.
    [19] حديث قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من حديث علي وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن عمر وابن هلال المزني كلاهما بالشطر الأول بسندين ضعيفين.


    ********

    آفات النكاح وفوائده

    وفيه فوائد خمسة : الولد وكسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام بهن

    الفائدة الأولي : الولد وهو الأصل وله وضع النكاح والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس وأنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات علي الأسباب مع الاستغناء عنها إظهار للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة وتحقيقا لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجري به القلم وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقي الله عزبا

    والأول : موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان
    والثاني : طلب محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم في تكثير من مباهاته
    والثالث : طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده
    والرابع : طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله



    أما الوجه الأول
    : فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع الله تعالي ومجاري حكمه وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيا له أرضا مهيأة للحراثة وكان العبد قادرا علي الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها فأن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعا حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقا للمقت والعتاب من سيده والله تعالي خلق الزوجين وخلق الذكر والإنثيين وخلق النطفة في الفقار وهيا لها في الإنثيين عروقا ومجاري وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة وسلط متقاضي الشهوة علي كل وأحد من الذكر والأنثى فهذه الإفعل والآلات تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقاه وتنادي أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له هذا أن لم يصرح به الخالق تعالي علي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم بالمراد حيث قال : “ تناكحوا تناسلوا ““ فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر ؟ فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع للبذر معطل لما خلق الله من الآلات المعدة وجان علي مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة علي هذه الأعضاء بخط الهي ليس برقم حروف وأصوات يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في أدراك دقائق الحكمة الأزلية ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمام الوجود واليه أشار من قال : العزل أحد الوادين فالناكح ساع في إتمام ما احب الله تعالي تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه ولاجل محبة الله تعالي لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه بعبادة القرض فقال : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "


    فأن قلت : قولك : أن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالي ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن الله غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم ؟ فاعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل فأن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ولكن المحبة والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الأداة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة ومزمع كونها مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول أنه مرضي ومحبوب بل هو مراد وقد قال الله تعالي : " و لا يرضي لعبادة الكفر "1 فكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهيته كالبقاء ؟ فأنه تعالي يقول : " ما ترددت في شئ كترددي في قبض روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا اكره مساءته و لا بد له من الموت "2 فقوله : لا بد له من الموت " إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالي : " نحن قدرنا بينكم الموت "3 وفي قوله تعالي : " الذي خلق الموت والحياة "4 و لا مناقضة بين قوله تعالي : " نحن قدرنا بينكم الموت " وبين قوله " وأنا اكره مساءته " ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معني الإرداة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها فأن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهيتهم وهيهات فبين صفات الله تعالي وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه و لا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه الحقائق داخله في علم المكاشفة ووراء سر القدر الذي منع من إفشائه فلنقصر عن ذكره ولنقتصر علي ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام علي النكاح والإحجام عنه فأن أحدهما مضيع نسلا أدام الله وجوده من أدم صلي الله عليه وسلم عقبا بعد عقب إلى أن أنتهي إليه فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود أدم عليه السلام علي نفسه فمات ابتر لا عقب له ولو كان الباعث علي النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون : زوجوني لا القي الله عزبا

  3. #3
    محررة مبدعة الصورة الرمزية نبع الوفاء
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    مكة المكرمه
    المشاركات
    5,766
    معدل تقييم المستوى
    27
    فأن قلت : فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه ؟ فأقول : الولد يحصل بالوقاع بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وأنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا فأن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى أن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضا في حقه علي الوجه الذي يستحب للأصلع امرار الموسي علي رأسه اقتداء بغيره وتشبها بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن وقد كان المراد منه أولا إظهار الجلد للكفار فصار الإقتداء والتشبه بالذين اظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر علي الحرث وربما يزداد ضعفا بما يقابله من كراهة تعطيل المرآة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فأن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعني هو الذي ينبه علي شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة



    الوجه الثاني : السعي في محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم ورضاه بتكثير ما به مباهاته إذ قد صرح رسول الله صلي الله عليه وسلم بذلك ويدل علي مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينكح كثيرا ويقول : إنما أنكح للولد وما روي من الإخبار في مذمة المرآة العقيم إذ قال عليه السلام “ لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد "5 وقال : خير نسائكم الولود الودود"6 وقال : " سوداء ولود خير من حسناء لا تلد "7 وهذا يدل علي أن طلب الولد ادخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة الشهوة لأن الحسناء اصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة



    الوجه الثالث : أن يبقي بعده ولدا صالحا يدعو له كما ورد في الخبر أن جميع عمل أبن أدم منقطع آلا ثلاثا فذكر الولد الصالح وفي الخبر : " أن الأدعية تعرض علي الموتى علي أطباق من نور" 8 وقول القائل : أن الولد ربما لم يكن صالحا و لا يؤثر فأنه مؤمن و الصلاح هو الغالب علي أولاد ذوي الدين لا سيما إذا عزم علي تربيته وحمله علي الصلاح وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيد برا كان أو فاجرا فهو مثاب علي دعواته وحسناته فأنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته فأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولذلك قال تعالي : " ألحقنا بهم ذرياتهم وما التناهم من عملهم من شئ "9 أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيدا في إحسانهم



    الوجه الرابع : أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعا فقد روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال :"أن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة "10 وفي بعض الإخبار : " يأخذ بثوبه كما أنا الآن اخذ بثوبك " 11 وقال أيضا صلي الله عليه وسلم " أن المولود يقال ادخل الجنة فيقف علي باب الجنة فيظل محبنطئا " أي ممتلثا غيظا وغضبا ويقول : " لا ادخل الجنة آلا وأبواي معي فيقال : ادخلوا أبويه معه الجنة "12 وفي خبر أخر " أن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة : أذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون علي باب الجنة فيقال لهم : مرحبا بذرا ري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون : فأين آباؤنا وأمهاتنا ؟ فيقول الخزنة : أن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم أنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال : فيتضاغون ويضجون علي أبوب الجنة ضجة واحدة فيقول الله سبحانه و اعلم بهم : ما هذه الضجة ؟ فيقولون : ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة آلا مع آبائنا فيقول الله تعالي : تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم الجنة "13 وقال صلي الله عليه وسلم : " من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار
    من النار "14 وقال صلي الله عليه وسلم : " من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث ادخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " قيل : يا رسول الله واثنان ؟ قال : " واثنان "15 وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره قال فأنتبه من نومه ذات يوم وقال : زوجوني زوجوني فزوجوه فسئل عن ذلك فقال : لعل الله يرزقني ولدا ويقبضه فيكون لي مقدمة في الآخرة ثم قال : رأيت في المنام كان القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون اكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت : اسقني فقد أجهدني العطش فقال : ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت : ومن أنتم ؟ فقالوا : نحن من مات من أطفال المسلمين وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالي : " فآتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم "16 تقديم الأطفال إلى الآخرة فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن اكثر فضل النكاح لاجل كونه سببا للولد

  4. #4
    محررة مبدعة الصورة الرمزية نبع الوفاء
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    مكة المكرمه
    المشاركات
    5,766
    معدل تقييم المستوى
    27
    (1)سورة الزمر الآية :7
    (2)حديث أنه تعالي يقول : " ما ترددت في شئ كترددي في قبض روح عبدي المسلم يكره الموت وأنا اكره مساءته و لا بدله منه "
    (3)سورة الواقعة الآية :60
    (4)سورة الملك الآية :2
    (5)حديث لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد " أخرجه أبو عمر النوقاني في كتاب معاشرة الآهلين موقوفا علي عمر بن الخطاب ولم أجده مرفوعا
    (6)حديث " خير نسائكم الولود الودود " أخرجه البيهقي من حديث أبن أبى ادية الصدفي وقال البيهقي وروي باسناد صحيح عن سعيد بن يسار مرسلا
    (7)حديث " سوداء ولود خير من حسناء لا تلد " أخرجه أبن حبان في الضعفاء من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ولا يصح
    (8)حديث : " أن الأدعية تعرض علي الموتى علي أطباق من نور" رويناه في الأربعين المشهورة من رواية أبى هدية عن أنس في الصدقة عن الميت وأبو هدية كذاب
    (9)سورة الطور الآية :21
    (10) حديث " أن الطفل يجر أبويه إلى الجنة " أخرجه أبن ماجه من حديث علي وقال : السقط بدل الطفل وله من حديث معاذ : " أن الطفل ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا هي احتسبته وكلاهما ضعيف
    (11)حديث " أنه ويضعف بثوبه كما أنا الآن اخذ بثوبك " أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة
    (12)حديث " أن المولود يقال له ادخل الجنة " فيقف علي باب الجنة فيظل محبنطئا أي ممتلثا غيظا وغضبا ويقول لا ادخل آلا وأبواي معي .......... الحديث " أخرجه أبن جانبهما في الضعفاء من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده و لا يصح والنسائي من حديث أبى هريرة " يقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون حتى يدخل آباؤنا فيقال ادخلوا الجنة أنتم وإباؤكم " وإسناده جيد
    (13) حديث " أن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة أذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون علي باب الجنة فيقال لهم مرحبا بذرا ري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون أين آباؤنا وأمهاتنا ....."الحديث بطوله لم أجد له أصلا يعتمد عليه
    (14)حديث " من مات له اثنان من الولد احتظر بحظار من النار " أخرجه البزار والطبراني من حديث زهير بن أبى علقمة " جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنه مات لي ابنان سوي هذا فقال : لقد احتظرت من دون النار بحظار شديد " ولمسلم من حديث أبى هريرة في المرآة التي قالت : دفنت ثلاثة لقد احتظرت بحظار شديد من النار "
    (15)حديث " من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث ادخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم قيل : يا رسول الله واثنان قال : واثنان " أخرجه البخاري من حديث أنس دون ذكر الاثنين وهو عند احمد بهذه الزيادة من حديث معاذ وهو متفق عليه من حديث أبى سعيد بلفظ أيما امرأة "بنحو منه
    (16)سورة البقرة الآية :223


    ***************


    الفائدة الثانية
    التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر وحفظ الفرج واليه الإشارة بقوله عليه السلام : " من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر " واليه الإشارة بقوله : " عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فأن الصوم له وجاء " واكثر ما نقلناه من الآثار والإخبار إشارة إلى هذا المعني وهذا المعني دون الأول لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته وليس من يجيب مولاه رغبة في تحصيل رضاه كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكل فالشهوة والولد مقدران وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال : المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم مثلا قضاء الحاجة من الآكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة والشهوة باعثة عليه ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوي الإرهاق إلى الإيلاد وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت فهي منبهه علي اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا في عبادة الله فأنظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة ثم إلى التعبئة الإلهية كيف عبئت تحت شهوة واحدة حياتان حياة ظاهرة وحياة باطنة فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فأنه نوع من دوام الوجود والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية فأن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام فيستحث علي العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها تيسر المواظبة علي ما يوصله إلى نعيم الجنان وما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطنا وظاهرا بل ذرات ملكوت السموات والأرض آلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها وبقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وغوائلها فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتي عن عجز وعنة وهم غالب الخلق فأن الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش واليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالي : " آلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير "17 وأن كان ملجما بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة فيغض البصر ويحفظ الفرج فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع و لا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في اكثر الأوقات وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري علي خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحيي منه والله مطلع علي قلبه والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق وراس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه والمواظبة علي الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق اكثر الخلق آلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك قال أبن عباس رضي الله عنهما : لا يتم نسك الناسك آلا بالنكاح

    وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها قال قتادة في معني قوله تعالي : " ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "18 هو الغلمة وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معني قوله تعالي : " وخلق الإنسان ضعيفا "19 أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح : إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله وبعضهم يقول : ذهب ثلث دينه وفي نوادر التفسير عن أبن عباس رضي الله عنهما : " ومن شر غاسق إذا وقب "20 قال قيام الذكر وهذه بلية غالبة إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين وهي مع أنها صالحة لأن تكون باعثة علي الحياتين كما سبق فهي اقوي اله لشيطان علي بني أدم واليه أشار عليه السلام
    بقوله : “ ما رأيت من ناقصات عقل ودين اغلب لذوي الألباب منكن "21 وأنما ذلك لهيجان الشهوة


    وقال صلي الله عليه وسلم في دعائه : " اللهم أني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وشر منيى"22 وقال : "أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي "23 فما يستعيذ منه رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف يجوز التساهل فيه لغيره وكان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث فأنكر عليه بعض الصوفية فقال : هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله تعالي جلسة أو وقف بين يديه موقفا في معاملة فخطر علي قلبه خاطر شهوة فقالوا : يصيبنا من ذلك كثير فقال : لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت وأحد لما تزوجت لكني ما خطر علي قلبي خاطر يشغلني عن حالي آلا نفذته فاستريح وارجع إلى شغلي ومنذ أربعين سنة ما خطر علي قلبي معصية وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين : ما الذي تنكر منهم ؟ قال : يا بنى كثيرا قال : وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لاكلت كما يأكلون قال : ينكحون كثيرا قال : وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون وكان الجنيد يقول : احتاج إلى الجماع كما احتاج إلى القوت فالزوجة علي التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب ولذلك أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم كل من وقع نظره علي امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله 24 لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس وروي جابر رضي الله عنه : أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي امرأة فدخل علي زينب فقضي حاجته وخرج وقال صلي الله عليه وسلم : " أن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان فإذا رأي أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذي معها ““25 وقال عليه السلام : “ لا تدخلوا علي المغيبات – وهي التي غاب زوجها عنها – فأن الشيطان يجري من أحدكم مجري الدم " قلنا : ومنك ؟ قال : ومني ولكن الله أعانني عليه فاسلم "26 قال سفيان بن عيينة فاسلم معناه فاسلم أنا منه هذا معناه فأن الشيطان لا يسلم وكذلك حكي علي أبن عمر رضي الله عنهما وكان من زهاد الصحابة وعلمائهم أنه كان يفطر من الصوم علي الجماع قبل الآكل وربما أنه جامع ثلاثا من جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخيرة وقال أبن عباس : خير هذه الآمة أكثرها نساء 27 ولما كانت الشهوة اغلب علي مزاج العرب كان استكثار الصالحين منهم للنكاح اشد ولاجل فراغ القلب أبيح نكاح الآمة عند خوف العنت مع أن فيه ارقاق الولد وهو نوع أهلاك وهو محرم علي كل من قدر علي حرة ولكن ارقاق الولد أهون من أهلاك الدين وليس فيه آلا تنغيص الحياة علي الولد مدة وفي اقتحام الفاحشة تفويت الحياة الأخروية التي تستحقر الأعمار الطويلة بالإضافة إلى يوم من أيامها وروي أنه أنصرف الناس ذات يوم من مجلس أبن عباس وبقي شاب لم يبرح فقال له أبن عباس : هل لك من حاجة ؟قال : نعم أردت أن اسال مسالة فاستحييت من الناس وأنا الآن أهابك وأجلك فقال أبن عباس : أن العالم بمنزلة الوالد فما كنت أفضيت به إلى أبيك فافض إلى به فقال : أني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت علي نفسي فربما استمنيت بيدي فهل في ذلك معصية فاعرض عنه أبن عباس ثم قال : أف وتف نكاح الآمة خير منه وهو خير من الزنا فهذا تنبيه علي أن العزب المحتلم مردد بين ثلاثة شرور أدناها نكاح الآمة وفيه إرفاق الولد واشد منه الاستمناء باليد وافحشه الزنا ولم يطلق بأن عباس الإباحة في شئ منه لأنهما محذوران يفزع إليهما حذرا من الوقوع في محذور اشد منه كما يفزع إلى تناول الميتة حذرا من هلاك النفس فليس ترجيح أهون الشرين في معني الإباحة المطلقة و لا في معني الخير المطلق وليس قطع اليد المتآكلة من الخيرات وأن كان يؤذن فيه عند أشراف النفس علي الهلاك فإذا في النكاح فضل من هذا الوجه ولكن هذا لا يعم الكل بل الأكثر فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره فينعدم هذا الباعث في حقه ويبقي ما سبق من أمر الولد فأن ذلك عام آلا للممسوح وهو نادر ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة فيستحب لصاحبها الزيادة علي الواحدة إلى الأربع فأن يسر الله له مودة ورحمة واطمأن قلبه بهن و آلا فيستحب له الاستبدال فقد نكح علي رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال ويقال : أن الحسن بن علي كان منكاحا حتى نكح زيادة علي مائتي امرأة وكان ربما عقد علي أربع في وقت وأحد وربما طلق أربعا في وقت وأحد واستبدل بهن وقد قال عليه الصلاة والسلام للحسن “ أشبهت خلقي وخلقي"28 وقال صلي الله عليه وسلم " حسن مني وحسين من علي "29 فقال أن كثرة نكاحه أحد ما شبه به خلق رسول الله صلي الله عليه وسلم وتزوج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة وكان في الصحابة من له الثلاث والأربع ومن كان له اثنتان لا يحصي ومهما كان الباعث معلوما فينبغي أن يكون العلاج بقدر العلة فالمراد تسكين النفس فلينظر إليه في الكثرة والقلة

صفحة 1 من 8 1234 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. آيات الشفاء في الكتاب
    بواسطة نادين عامر في المنتدى منتديات اسلامية,( على منهج أهل السنة والجماعة)
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22-03-2016, 01:37 PM
  2. كتاب معجزات الشفاء في منتجات النحل ( الكتاب كامل )
    بواسطة ضـى القمـر في المنتدى الطب البديل
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-05-2012, 06:13 AM
  3. ملخص كامل ! ! ! الكتاب الفيافي ! ! ! للأعشاب( خاص لنساء فقط)
    بواسطة القمر 2 في المنتدى الحياة الزوجية
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 29-05-2008, 04:05 AM

مواقع النشر

مواقع النشر

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

أهم المواضيع

المطبخ

من مواقعنا

صفحاتنا الاجتماعية

المنتديات

ازياء | العناية بالبشرة | رجيم | فساتين زفاف 2017 | سوق نسائي | طريقة عمل البيتزا | غرف نوم 2017 | ازياء محجبات | العناية بالشعر | انقاص الوزن | فساتين سهرة | اجهزة منزلية | غرف نوم اطفال | صور ورد | ازياء اطفال | شتاء | زيادة الوزن | جمالك | كروشيه | رسائل حب 2017 | صور مساء الخير | رسائل مساء الخير | لانجري | تمارين | وظائف نسائية | اكسسوارات | جمعة مباركة | مكياج | تسريحات | عروس | تفسير الاحلام | مطبخ | رسائل صباح الخير | صور صباح الخير | اسماء بنات | اسماء اولاد | اتيكيت | اشغال يدوية | الحياة الزوجية | العناية بالطفل | الحمل والولادة | ديكورات | صور حب | طريقة عمل القرصان | طريقة عمل الكريب | طريقة عمل المندي |