الدلال والحب
الأربعاء 15 أغسطس 2012


أم عبد الرحمن محمد يوسف
الصداقة تحتم على كل صديق أن يدعم صديقه، وأن يتحمله ويتعطف عليه، ويلتمس له العذر كما أن الصداقة تسهل عملية التواصل [سنة أولى زواج، هيام محمد يوسف، ص(150)].

الرجل الذي يعامل زوجته كأنها أميرة، دليل على أنه نشأ بين ذراعي ملكة.

قضية للنقاش: استيعاب الزوجين لبعضهما

كثيرًا ما يتساءل الأزواج عن كيفية احتواء كل طرف لشريك حياته، وقبل أن نتحدث عن مهارة استيعاب واحتواء الطرف الآخر نذكر هذه القصة والتي (تحكي أن زوجًا عاد من عمله في موعده المعتاد، ففتحت له الزوجة، فألقى عليها السلام، ردت عليه بفتور وإهمال وذهبت هي إلى المطبخ لتُحضر له طعام الغداء.

جلس الزوج ينتظر الغداء، وبعد ما يقارب الساعة أو أقل قليلاً خرجت الزوجة تحمل له صينية عليها غداؤه، ثم وضعتها أمامه وانصرفت.


بدأ الزوج يتناول الطعام في صمت، ولكنه فوجئ أن اللحم لم ينضج جيدًا، والأرز بلا ملح، والطعام بارد، حتى الصينية بدت غير نظيفة كما هو معتاد.

تناول الزوج طعامه وتذكر مشكلة الأمس، حينما دفعه إرهاق العمل إلى أن ينهي حوارًا بدأته زوجته بطريقة شعر أنها ضايقتها، لكنه ظن الأمر تافهًا وسيُنسى مع تباشير الصباح، وخرج إلى عمله دون أن يلقي بالاً أو يفكر في جبْر خاطرها.

لكنه تذكر أيضًا أنه يعاملها أفضل معاملة، فلماذا لا تحتمل منه شيئًا بسيطًا كهذا.

حقًّا ما أصدق الحكمة: اتَّقِ شر من أحسنتَ إليه، أهذا جزاء حسن معاملتي؟

هكذا قال لنفسه.

وبعد أن فرغ من طعامه اتجه نحو المطبخ وهو يتذكر أيضًا أن هذه الحكمة التي يرددها الناس مَبتورة ناقصة، وأن أصلها وتمامها: اتقِّ شرَّ مَن أحسنت إليه بزيادة الإحسان إليه. وليس كما يظن البعض بقطع الإحسان إليه.

وصل إليها وهي تصب الشاي دون أن تلتفت إليه، فرفع يده وأمسك بجانبي رأسها، وطبع قبلة حانية على رأسها، وقال: لقد تصرفتِ اليوم كعروس جديدة، فأحببت أن أعاملك معاملة العروس الجديدة.

عندئذ انفجرت الزوجة في البكاء، ناظرة إلى زوجها الحنون في إكبار وإجلال قائلة: بل أنت سامحني يا حبيبي، لا أدري كيف أعماني الغضب عن حقك عليّ؟.

هذه القصة توضح لنا باختصار المقصود بمعنى الاستيعاب، وفيها من نضج الزوج ما أعان على حسن استيعاب زوجته وكذلك استيعاب المشكلة قبل أن تبدأ.

إن الاستيعاب الذي نعني، هو قدرة كل طرف على استيعاب الآخر أيًا كانت الأوضاع والظروف، وقدرة كل طرف على تفهم آمال ومشكلات الطرف الآخر، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا مثلًا رائعًا في استيعاب زوجته، فقد روت أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا يَعْنِي أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ ،فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ فِلْقَتَيْ الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: "كُلُوا غَارَتْ أُمُّكُمْ" مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ [رواه البخاري].

ففي هذا الموقف يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يستوعب الزوج شريكة حياته في أصعب المواقف.

ومن الجهة الأخرى تأتي أمنا خديجة رضي الله عنها؛ لتعلمنا كيف تستوعب الزوجة زوجها في المواقف الصعبة واللحظات الحرجة، فقد أتى إليها النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه الوحي وقال لها: )لقد خشيت على نفسي(، فإذا هي تستوعبه وتحتويه رضي الله عنها وأرضاها وتقول كلماتها المطمئنة المهدئة: (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا) [متفق عليه]، ولا تتركه عند ذلك بل تنطلق به إلى ابن عمها ـ كما هو معروف ـ فيبشره بالنبوة.

فما أحوج الزوجين إلى اتقان فن الاستيعاب حتى تصبح حياتها أسعد وأهدأ، ويصبحا أقدر على احتواء المشكلات والأزمات.

ولعل الزوجة تسأل الآن وتقول: عندما تحدث مشكلة بيني وبين زوجي لا أستيطع أن أستوعبه، ولا أن أسيطر على غضبه.

والجواب على هذا السؤال يكمن عندك أيتها الزوجة الغالية، ولعل هذا الحوار الذي دار مع هذه المرأة العاقلة يوضح لك كيفية استيعاب زوجك أثناء المشكلات والأزمات؛ فتأمليه جيدًا واعملي بما جاء به تسعدي بإذن الله.

(تقول زوجة سعيدة بعد عمر جميل في حياتها الزوجية وقد اجتمع حولها عدد من النساء يلتمسن منها النصح والتوجيه: "الحـصول على الـسعادة الزوجـية، بعد توفيق الله سبحانه، بيد المرأة؛ فالمرأة تستطيع أن تجعل من بيتها جنّة وارفة الظـلال، أو جهنّم مستعرة النيران!

لا تقولي: إن قلة المال سر تعاستكما؛ فكثير من النساء الغنيات تعيسات وهرب منهن أزواجهن! ولا الأولاد؛ فهناك من النساء من أنجبن 10 صبيان؛ ولكن زوجهايهينها ولا يحبها؛ بل ربما يفرُّ منها أو يطلقها.

ولا المهارة في الطبخ، فهناك كثيرات الواحدة منهن تطبخ طوال النهار، ومع ذلك تشكو سوء معاملة زوجها، وقلة احتفاله بما تقدمه أو تبدعه!

فلما سئلت هذه الزوجة الخبيرة بفن معاملة الزوج واحتوائه، وإصلاح البيوت الزوجية: إذن ما هو السر؟! ماذا كنت تعملين عند حدوث مشكلات أو شجارات مع زوجك؟

فقالت: عندما يغضب ويثور زوجي– وقد كان عصبيًا– كنت ألجأ إلى الصمت المطبق بكل احترام، وإياك والصمت المصاحب لنظرة

سخرية ولو بالعين؛ لأن الزوج ذكي ويفهمها!

فسئلت مرة ثانية: لِمَ لا تخرجين من الغرفة حينها؟

فقالت: إياك؛ فقد يظن أنك تهربين منه، ولا تريدين سـماعه، عليك بالصـمت وموافقته على ما يقول؛ حتى يهدأ، ثم بعد ذلك أقول له: هل انتهيت؟ ثم أخرج؛ لأنه سيتعب وبحاجة للراحة بعد الكلام والصراخ، وأخرج من الغرفة أكمل أعمالي المنزلية وشؤون أولادي، ويظل بمفرده وقد أنهكته الحرب التي شنّها عليّ.

فقلن لها: وماذا تفعلين؛ هل تلجئين إلى أسلوب المقاطعة فلا تكلميه لمدة أيام أو أسبوع؟

فقالت بابتسامة خفيفة: لا، وإياكِ وتلك العادة السيئة؛ إنها سلاح ذو حدين، فعندما تقاطعين زوجك أسبوعًا قد يكون ذلك صعبًا عليه في البداية، ويحاول أن يكلمك، ولكن مع الأيام سيتعود على ذلك، فإن قاطعتِه أنت أسبوعًا قاطعك هو أسبوعين. وإنما عليك أن تعوّديه على أنك الأوكسجين الذي يستنشقه، والماء الذي يشربه، والوردة التي يتنسم عطرها.. وباختصار: كوني كالـهواء الرقيق، وإياك أن تكوني الريح الشديدة.

انبهرت النساء حولها بهذا الحديث الشيق، وتألقت أعينهن بنظرات جمعت بين الحيرة والإعجاب والانبهار. وسألن: وماذا تفعلين بعد ذلك؟

قالت الزوجة السعيدة الموفقة في ثقة: بعد ساعتين أو أكثر أضع له كوبًا من العصـير، أو فنجانًا من الشاي وأقول له: تفضل اشرب؛ لأنه فـعلاً محـتاج إليه، وأكلّمه بشكل عادي.

فسألتها النساء في لهفة: وكيف يتصرَّف معكِ حينها؟ فقالت: عندئذ يصرّ على سؤالي: هل أنت غاضبة؟ فأقول: لا.

فيبدأ بالاعتذار عن كلامه القاسي، ويُسمعني الكلام الجميل".

وعندما وصلت الزوجة السعيدة إلى هذه النقطة من حديثها، تراجعت بعض النساء بظهورهن قليلاً في مقاعدهن إلى الخلف وقُلنَ في استخفاف: وهل تصدقين اعتذاره وكلامه الجميل؟

بدت الزوجة أكثر ثقة وهي تكمل كلامها: طبعا؛ لأني أثق بنفسي ولست غبية!! هل تُرِدْنَ مني تصديق كلامه وهو غاضب، وتكذيبه وهو هادئ؟! ألا تَرينَ أن الإسلام لا يُقرُّ طلاق الغاضب.. وهو طلاق!! فكيف ما حصل معي أنا؟

فقيل لها: وكرامتك؟؟!!

قالت: أي كرامة؟ !!إن كرامتك ألا تصدقي أي كلمة جارحة من إنسـان غاضب، وأن تصدقي كلامه عندما يكون هادئًا .

ولذلك أسامحه فورًا؛ لأني قد نسيت كل الشتائم، وأدركت أهمية سماع الكلام المفيد.

عندئذ قالت إحدى الجالسات وقد أدركت مغزى الكلام: إذن سر السعادة الزوجية عقل المرأة، ومربط تلك السعادة لسانها.


تصافيا: كيف يدلل الزوج زوجته:

إلى الزوجة

ارتدي لزوجك أحدث صيحات الموضة في المنزل

أرسلي له الورد في مكان عمله من آن لآخر مع إمضاء (زوجتك الحبيبة).

نادي على زوجك بكلمات فيها دلال.

يوم الدلال:

وفي هذا اليوم فاجئي زوجك بعشاء منزلي فاخر، وارتدي ملابس السوارية وصففي شعرك بطريقة جديدة.

إلى الزوج

قدم لزوجتك كلمات الإعجاب والتقدير، فإن ذلك يساعدها على أن تهتم أكثر بنفسها.

إذا وجدت زوجتك حزينة أو مهمومة ضمها بين ذراعيك واسألها بلطف وبنبرة دافئة عن سبب ذلك.

ناد زوجتك بأحب الأسماء إليها، وابتكر أسماء جديدة تكون محببة لها.

تغزل في جمال زوجتك وفي طريقة تفكيرها وتدبيرها.

وأخيرًا:

فالحب باختصار ميل شريك الحياة إلى شريكته، وميل شريكة الحياة إلى شريكها، وعندما يشعر أحد الزوجين أن الآخر يميل إليه؛ فإنه يسمع منه الرسائل التالية: (أنت مهم بالنسبة لي فأعتني بك وأحميك، أنا مهتم بما تواجه في الحياة، وسأكون رهن إشارتك عندما تحتاج إليَّ، وهناك مكونات أساسية لأية علاقة مبهجة ورائعة، وهي الحب والحنان، الذي يرمز إلى الأمان والحماية والراحة والاستحسان)[بالمعروف ... حتى يعود الدفء العاطفي إلى بيوتنا، د.أكرم رضا، ص(48)].

المصادر:

· سنة أولى زواج، هيام محمد يوسف.

· بالمعروف ... حتى يعود الدفء العاطفي إلى بيوتنا، د.أكرم رضا.



رآق لـــي