ما زال يقف عند الباب، حتى بعد ان ذهب الجنود...شارد الذهن، يحدق حيث ما كانوا يقفون
اقتربت منه..
همست خلفه برقة:

-"ماذا أرادوا؟!"

لم يتحرك لعدة ثواني...ثم رفع رأسه واغلق الباب ، استدار اليها...تأمل عينيها وكأنه لم يرهما من قبل..فاشتعل قلبها قلقا من غرابة صمته ونظراته...ما كادت تكرر سؤالها حتى أجاب بابتسامة تحمل هموم الدنيا:

-"التجنيد الاجباري ، وقع علي الاختيار"

جحظت عيناها...توقف نبض قلبها ، خرجت من بين شفتيها كلمات متهالكة:

-"كرر ما قلت؟؟!"

اغمض عينيه ومشى مبتعدا عنها، متوجها الى حيث يتواجد والداه..
تنحنح...فالتفتا اليه فقال:

-"أبي، أمي، لقد جاء الجنود..ووقعت ضمن التجنيد الاجباري"

شهقت والدته...وقف والده بفزع ونطق بانفعال:

-"ماذا؟!"

اقترب منهما...وعندما صار امامهما مباشرة قال:

-"غدا...سيمرون علي لأخذي"

لم تمتلك امه القوة على الوقوف بعد هذا الخبر .. رفعت يدها نحوه وهي تقول بصوت مرتجف:

-"كيف يأخذوك مني؟!"

نظر اليها وهو عاجز عن مواساتها...اقترب منها لتستقر كفها على خده بلطف، مسحت على وجهه بعطف وبدأت دموعها بالسقوط وهي تقول بضعف:

-"لا يمكنهم ذلك...لا يمكنهم!!"

آلمه قلبه لهذا ولم يعرف ماذا يقول...لكنه التفت نحو الباب عندما سمع شهقاتها.. قمره التي لا يهون عليه رؤية دمعة واحدة في عينيها..يراها غارقة في دموعها!...مشى نحوها، امسك يديها وقال:

-"عزيزتي، سيـ..."

قاطعته :

-"لماذا أنت؟!...أنت وحيد والديك، لماذا يأخذوك؟؟!"

ما ان اكملت جملتها حتى اندفعت في حضنه بقوة جعلته يتقهقر للخلف خطوة...ثم بهدوء، احاطها بذراعيه...مسح على شعرها وهو يقول:

-"ما باليد حيلة...عليك ان تعتني بوالديّ عند غيابي"

اعتلى صوت شهقاتها حتى صارت تخترق صدره..ودموعها تحرق قلبه قبل ان تسقط على خديها...
لا يمكنه ان يتحمل اكثر...ابعدها عنه ثم نظر لوالديه، قال بابتسامة كاذبة:

-"قد يكون اليوم آخر يوم لي معكم"

***

بعد ان انتهى من توديع والديه .. وقف عند الباب ينظر لها بود، فاقتربت منه والدموع معلقة على رموشها وعلى شفتيها ابتسامة .. قالت بصوت مختنق:

-"تبدو وسيم جدا، حتى بملابس الجيش"

ابتسم ابتسامة عريضة كشفت عن اسنانه وقال:

-"دائما وسيم"

في هذه اللحظة سمع صوت سيارة الجنود في الخارج...فقالت بسرعة:

-"خذني معك!..خذني معك ارجوك"

تفاجأ الكل من طلبها فقال :

-"لا يمكن..الآن وداعا"

احتضنها وقبل جبينها ثم خرج مسرعا...جلست على الأرض مكانها وضمت ركبتيها لصدرها وسمحت لدموعها بشق طريقها الطويل على خديها..

عندما أوت إليهم .. في تلك الليلة المشؤومة، عندما هربت من الموت باعجوبة...هربت من بين الرصاص الى بيتهم..فلم يترددوا بإيوائها..
حموها بكنفهم...فهم ألمان، لن يطولهم ما يطول اليهود من أذى!
وهي وهو..مع الوقت، وجد الحب طريقه اليهما...بعدما فقدت كل عائلتها، صار هو عائلتها وسعادتها...لن تحتمل فراقه هو أيضا..!

في الليلة التي خرج بها من المنزل...قررت ان تلحق به، لن تتركه يموت فتظل مبتورة الروح طوال عمرها.لن تسمح لهذا ان يحدث!..
كتبت رسالة سريعة لأبويه...ليعلما انها لن تكون في خطر..طالما ستكون بقربه!
خرجت تحت ضوء القمر...ومشت ما امكنها ان تمشيه حتى وصلت ذلك المركز الوضيع...دخلته بسرعة مما جعل الجنود يفاجأون ويتعجبون من وجودها...
حملوا اسلحتهم..لكنها لم تبالي، وقالت:

-"أريد التطوع لأكون ضمن الفريق الطبي في المعركة القادمة..."

***

واشتد ضرب النيران...
كانت الرصاصات تحلق في السماء .. تخترق جسد من تشاء، تيتم وترمل وتدمر..قلوبا من كل مكان..
وهي داخل تلك الخيمة ، قلبها يقف عن العمل تماما...لا يمكنها التفكير في شيء الا رؤياه!
وما إن توقف اطلاق النار أخيرا...وكأنه وقت مستقطع لهذه المعركة المحتدمه..خرجت مع من خرجوا لاسعاف المصابين..
لم تكن مهتمة لأي شيء حولها...كل ما تفعله هو البحث عنه، عين على الجرحى والقتلى..وعين على الجنود...تدعو انه لو كان من بين القتلى...فلتمت قبل ان تراه!

ومن بعيد..كان هو قد انتبه لها قبل ان تنتبه هي...انصدم وتفاجأ..ظن انه يتخيل..كيف تكون هي هنا؟!
ورغم تنبيهات القائد التي تقول لهم ان يلزموا مواقعهم...نهض بسرعة وركض اليها بكل ما تبقى عنده من طاقة..
صرخ باسمها من بعيد...التفتت اليه ، رأته يتجه نحوها...ابتسمت ورفرف قلبها..
ركضت اليه ايضا...وما ان تلاقيا حتى ترك سلاحه ولمها بين ضلوعه...شد عليها بقوة وهو يهمس:

-"ماذا جاء بك"
-"جئت لأجلك"

ابعدها عنه قليلا ونظر لعينيها...قال بنوع من الغضب والقلق:

-"لماذا تعرضين نفسك للخطر؟!..هل تظنين اني سأكون سعيد بهذا!؟"
-"لا يهمني هذا...يهمني ان اكون انا سعيدة بقربك"

فجأة عاد اطلاق النار .. وعاد الخطر يحلق .. صرخ بانفعال:

-"عليك ان تعودي الآن"
-"لن اتركك!"

لم يضيع وقتها بمجادلتها وسحب يدها معه .. باحثا عن ساتر آمن من الرصاص...سمع صرخة احد الجنود:

-"العدو يتقدم"

اخذ نفس عميق مرتجف...كان مركزا بخطواته، فلم ينتبه عندما سحبت يدها منه بسرعة ووقفت حاجزا بينه وبين سلاح ذلك الجندي..
فاخترقت الرصاصة صدرها..وفي نفس اللحظة وقع ذلك الجندي مصابا..
صرخ بانفعال:

-"ماذا فعلتي؟!"

وسارع للامساك بها قبل ان تسقط...ارتخى جسدها بين يديه، نظرت اليه بابتسامة وقالت:

-"الآن أطمئن، ساموت قبلك"
-"لن تموتي..لا..لن أسمح بهذا!!"

حملها على مضض وركض نحو الساتر...لكن رصاصة أخرى تهاجمهم وتخترق ظهره، توقف عن المشي لثواني .. جاحظ العينين..
لكنه أصر على ايصالها لمكان آمن..تحامل على نفسه حتى وصل الساتر...جلس مركيا ظهره لشيء ما..وهي في حضنه..بالكاد يستطيع كل منهما آخذ أنفاسه..
سعلت قليلا ثم قالت:

-"على الأقل، حبنا لن يكون مبتور..اما ان نحيا سويا، أو نموت سويا"

ابتسم لها ثم قال بصعوبة:

-"مجنونة منذ عرفتك"

اتسعت ابتسامتها..واغمضت عينيها مستسلمة لخروج روحها...
انزلقت دمعة حارة من عينه وقال:

-"أنا خلفك حبيبتي.."

ارخى ظهره للخلف..واغمض عينيه...

***

كانت والدته تقف امام جثمانيهما...تتأملهما بحب وشوق، مع ابتسامة لطيفة...
قالت صديقتها:

-"انه لأمر محزن ما حدث لهما!"

أجابت:

-"لا ... لا أراه محزنا، من حق حب ولد في الحرب ان يروح شهيدا...روحهما الآن التقتا"
-"انهما بطلا حرب..ماتا دفاعا عن الوطن"
-"لا...انهما ليسا حرب...فهذه الحرب ليس فيها ابطالا..بل فيها قاتل وضحية فقط!..انهما ابطال حب..ماتا دفاعا عن حبهما..ولن أسمح أبدا ان يلوث اسمهما بكتابة (ابطال حرب) على قبريهما...هما فديا وطن قلبيهما..فقط"