[align=center]

أهي حقاً معاناة

قد ينظر البعض لمعاناة الوالدين مع طفلهما التوحدي بأنها معاناة عادية لا تقل عن معاناة أي والدين آخرين مع طفلهما المعوق بإعاقات أخرى ولكن حقيقة الأمر ، أن معاناة والدي الطفل التوحدي تختلف عن غيرها من حيث نوع هذا الاضطراب وغرابته وصعوبة تشخيصه وندرة علاجه وعدم المعرفة الكافية بكيفية التعامل معه .
ولعل تلك التجربة التي تحكيها أم وهي تروي معاناتها مع طفلها التوحدي منذ أن كان حلماً يراودها إلى أن أصبح حقيقة مرة تواجهها صباح مساء وتعاني منها الأمرين .
فماذا تقول هذه الأم حول معاناتها التي أسمتها " صدمة حلم " ؟
دعونا نقرؤها ونصغي إليها باهتمام ، علّ من يقرؤها ولديه طفل توحدي أو طفلة توحدية تشعر بأنها ليست وحدها .
وعلّ من يقرؤها ممن ليس له طفل توحدي يستشعر تلك المعاناة ويدعو الله أن يعين اصحابها ويسعدهم .

صـــدمة حـلم

كان حلمي ذات يوم
أن يكون لي طفلاً جميلاً
كبراءة الحلم الأبيض
أحمله بين يدي
أقذفه في الهواء
أضمه إلى صدري
وأقبل وجنتيه الناعمتين
أدغدغه
كي أرى ضحكاته البريئة
مع أخوته
تزداد وتزداد
وصوته البريء ينادي
أمي أمي
أبي أبي

********
كنت أتخيل منظره
وهو نائم بجاني
مغمض عينيه
بكل براءة الطفولة الناعمة
وأجدني أنظر إليه بحنان
وأمسح على شعره بيدي
أدعو الله أن يحفظه لي
وأن يقر عيني به

********
كان حلماً جميلاً
طالما انتظرته
وأنا أراه جنيناً يتحرك في أحشائي
يكبر يوماً بعد يوم
ولطالما تحدثت عنه
مع زوجي
وكأنني سوف أستقبله غداً
أو بعد غد
ولطالما أبتسم زوجي وقال لي
هل انتظرتيه حتى يأتي ؟
حتى تريه بنفسك

********
كنت أسعد الناس به
ولم أره بعد ... !
وهكذا استمرت فرحتي
طيلة فترة حملي
إلى أن أتى
إلى أن رأى النور
إلى أن شعرت ذات يوم
ببعض التصرفات الغريبة تصدر منه
شعرت أن شيئاً ما غير طبيعي
يدور حولي
حينها وخزني قلبي ... !
أحسست بخوف غريب
يسري في داخلي ... !

********
خفت عليه وضممته إلى صدري
أخذته هنا وهناك
لكل مكان
لأكشف عليه
لأبدد مخاوفي
لأكذب نفسي
ليرتاح قلبي
لأعرف مابه

********
وليتني لم أعرف !
ليتني لم أسع للحقيقة بنفسي !
ليتني لم أسمعها بأذني !

********
لأنني حينما سمعتها
لحظتها ...
صعقت !
صدمت !
أسقط في يدي !
لم أعرف ما أقول !
لم أعرف ما أعمل !
لم أعرف كيف أتصرف !
حينما علمت أنه توحدي !
معاق !
لا يعرفني !
لا يدرك من أنا !

********
كدت أفقد صلتي بالواقع
فمعاناتي ليست مع طفلي فقط
بل مع كل من حولي
مع أهلي ومجتمعي
كدت أخسرهم جميعا
أخسر كل علاقتي معهم
أصبحت أكثر عصبية
أكثر حساسية
حتى مع زوجي
حبيبي
أب أبني
عماد أسرتي
رفيق دربي
هو الآخر
كدت أن أخسره
كاد أن يضيع من يدي
كدت أخسر علاقتي معه
كدت أنفصل عنه
لشعوري أنه بعيد عني
لا يشاركني اهتمامي بطفلي
وكأنه طفلي وحدي
كأنني أنا المسؤولة وحدي
عن مستقبله

********
كدت أخسر زوجي
لشعوري أنه لا يحتمل حساسيتي المفرطة
ونرفزتي الشديدة
حينما أكون في وضع نفسي
لا يعلمه إلا الله
وحينما أشعر أن العبء كله علي بمفردي
علما والحق يقال
أنه كان أيضاً يتألم بصمت
ويشعر بمعاناتي
وكنت أشعر به
وهو يداري دمعته عني
حينما يراني أبكي
وكنت أسمعه يدعو الله
أن يخفف علينا
ويهون مصيبتنا
حينما يراني أشكو

********
لحظتها كنت أقول لنفسي
ولما أنا بالذات
دون غيري
يحدث لي كل ذلك
وبعد فترة وجدتني أقول :
ولِم لا أكون أنا
ما الذي يفرقني عن غيري
ألست أمرأة كغيري
أليست تلك مشيئة الله ؟
ولكنها الصدمة النفسية ولا شك
هي ما دفعتني لذلك
هي ما جعلتني في حالة اللاتوازن
هي جعلتي أشعر
أن لا أحد معي
ولا أحد يحسّ ما أحسّه

********
ورغم أنني كنت أخفف عن نفسي
أعزي نفسي بما حدث
وأبرر لنفسي ما حدث
بأسياء كثيرة
رغم ذلك كله
ما زال هول الصدمة
مائل أمام عيني
بداخلي
يهزني بقوة
يبعثرتي

********
والآن :
فأنني أريد من يقف معي ويواسيتي
من يربّت على كتفي
من يأخذني إليه
ومن يشعرتي بأنني لست وحدي
بل هو مهتم بي
ويهمه أمري

********
أنني أريد من يرشدني
إلى ماذا أعمل
كيف أتصرف
وإلى من أتوجه

********
ألا يكفيني ألماً
أنني حينما أرى طفلي
ينفطر قلبي
تذرف دمعي
وأكتوي بحرقتي

********
فهاهو طفل الأمس
لم يتغير فيه شيء
أضحى شاباً
مازال طفلاً توحدياً
بكل صفاته المؤلمة
هاهو أصبح على مشارف مرحلة المراهقة
مرحلة البلوغ
وتلك قضية أخرى
من يحلّها لي ؟
من يساعدني على فهمها ؟
وعلى كيفية التعامل معها

********
وهاهي دمعتي
كما هي
تعاودني من حين لآخر
لم تجف
حينما أنظر إليه
فأشفق عليه

********
ماذا أكثر
من أن أنظر إليه
فأشعر بعجزي وقلة حيلتي ؟
ماذا أكثر
من أن أذهب هنا وهناك
أبحث هنا وهناك
وأضحّي بكل شيء
فلا أجد من يخدمه
ومن يقول لي :
أن هناك بارقة أمل
بل ألا يكفي أنني محرومة
من سماع كلمة " ماما ... ماما "
ومع ذلك
فما زال لدي أملاً
فأنا مؤمنة
مهما حدث ويحدث

********[/align]