هذه القصة كتبتها أثناء حرب العراق الثانية



النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: هذه القصة كتبتها أثناء حرب العراق الثانية

  1. #1
    عضوة قمة الصورة الرمزية دلال اسحق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    152
    معدل تقييم المستوى
    13

    هذه القصة كتبتها أثناء حرب العراق الثانية

    قرار حاسم

    انتباه ..!
    دوّى الصوت عالياً من المكبّرات ، ثم ما لبثت أن اصطفّت أحذيةٌ سوداء جلدية طويلة بجانب بعضها .
    راحت إيعازات عسكرية تنتشر في الفضاء و أصوات الأرجل و هي تنفذ تلك الأوامر بصلابة و حزم .
    ثمّ وقف أمام ذلك الحشد من الجنود الكواسر ، ضابط ضخم الجثة ، قوي البنية ، يرتدي بزة عسكرية أثقلتها الأوسمة ، و قد أخفى رأسه الأصلع تحت قبعة سوداء مائلة .
    قال بثقةٍ و بصوتٍ عالٍ أجش :
    لابدّ أنكم تعرفون ما الذي دعاكم إلى هذا الاجتماع العاجل ، إننا على أعتاب حرب مع أعدائنا في سبيل إبقاء كلمتنا هي السائدة و قراراتنا هي المطبقة ، و بما أنهم لم يتعاونوا معنا فإننا مضطرون إلى تطبيق كل ذلك بالقوة .
    لذا ، فإنني لا أريد منكم أن ترحموا أحداً ، إنهم أناس لا يستحقون الشفقة ، لا أريد أن أرى أي جنديٍّ فارّ ، أقسم أنني سأمزّقه بأسناني ، لن يعود أحد منكم قبل أن يتمّ مهمّته و التي باتت واضحة للجميع الآن . أتمنى لكم التوفيق و النصر .
    حلّقت الطائرات العسكرية عالياً تحمل الجنود و عدداً من الصواريخ الحديثة ذات التقنيات والمواصفات المذهلة .
    حتى أن البحر لم يسلم من دنس هؤلاء ، فقد عبرت البارجات الحربية المياه قاصدةً تلك الأراضي التي تنعم بالسلام لتعلّم أهلها دروساً في احترام من هم الأقوى .
    و بدأت الحرب مع ساعات الصباح الأولى ، فبدلاً من سماع صوت المؤذن على منبر الجامع ، و رنات النواقيس في الكنائس ، و زقزقة العصافير ، راح هدير الطائرات يملأ المدينة التي كانت منذ قليل تعيش في هدوء .
    واستيقظ الناس مذعورين مندهشين من صفارات الإنذار التي انتحبت هنا وهناك ، ولكن دون جدوى ، فما حدث قد حدث ، والكارثة حلّت ولم يعد بمقدور أحدٍ الوقوف في وجه هذا السيل الجارف من الحمم الصاروخية والرصاصية .
    صار السكان الأبرياء يتدافعون في الشوارع ، لا يدرون إلى أين يتوجّهون .
    منازل تتساقط ، حرائق تندلع ، تحوّل لون السماء الأزرق إلى الأحمر ، أعمدة تهوي ، أشجار تهتزّ ثم تنكسر و يتلاشى فيها الشعور بالعظمة والشموخ .
    حتى الأزهار دُهست تحت أقدام ذلك الحشد العظيم من الرجال والنساء والأطفال الذين سقطوا أرضا وصاروا أشبه بتلك الأزهار .
    لوحة سريالية فظيعة رسمتها ريشة إنسان معتوه مخرّب للفن ، مليء بالعقد النفسية التي قام بإسقاطها دون خجل على لوحته ، ذو وحشية واضحة كلّ الوضوح من خلال ألوانه .
    وبعد أن يفرغ من عمله ، سيظهرها للناس ويقول بكلّ وقاحة : عليكم أن تقرّوا بأنّ الفاشية لم تصل إلى هذا المستوى الراقي .
    ثم سيقوم ببيعها في قاعة مجلس الأمن الدولي في مزاد علني .
    بعد ساعاتٍ من القصف المتواصل ، وخلوّ الشارع والساحات من رائحة البشر والأحياء فيما عدا رائحة البارود والدم واحتراق الجثث ، قام العدو بإنزال جنوده المشاة للتأكد من الخسائر التي أوقعها في هذا البلد والإجهاز على من تبقى على قيد الحياة من هؤلاء المتعجرفين .
    انقسم الجنود إلى عدة فرق ، توزعت على طول المدينة وعرضها وباشروا مهماتهم .
    انطلقت إحدى الفرق صوب الأحياء الشعبية وهناك أيضاً انقسموا فيما بينهم وتوزّعوا ضمن الشوارع .
    مشى جندي شاب في الثلاثين من عمره ، طويل القامة ، ذو عينين زرقاوين حادتين ، يرتدي معطفاً جلدياً و بزّة عسكرية ، يحمل على ظهره حقيبة مليئة بالقنابل وأمشاط الرصاص وبعضاً من المعدّات الأخرى ، وبين يديه استلقت بارودةٌ سوداء .
    سار بين أشباه البيوت بحذر ، كان يلتصق بالجدران ، أو بالأحرى ما تبقى منها ، حتى سمع صوت امرأة تنشج ...
    وقف فجأة ، وراح يتلفّت يُمنةً ويسرة ، أنصت جيداً لعلّه يحدّد مصدر الصوت ، تحرك في عدة اتجاهات حتى حدده تماماً .
    كان المكان يعج بالفوضى حتى أنّ حيوان اللاما المعروف بقدرته الهائلة على تسلق الصخور لم يكن ليستطيع القفز بين تلك الخرائب .
    تقدم الجندي الشاب بهدوء ، دفع باباً خشبياً مكسوراً ، ثم أزاح بعض الحجارة ، لتظهر امرأةٌ مستلقية وقد سقط فوق رجليها أحد أعمدة المنزل ، وما أن شاهدت ذلك الجندي حتى راحت تصرخ .
    لم يكن هو ليفهم شيئاً مما تقول لأنه لا يتقن لغة أهل هذا البلد ، لكنه سارع من فوره إلى إزالة العمود ، و قد تفاجأ برؤية بطن المرأة المنتفخ فاستنتج فوراً أنها حامل وعلى وشك الولادة ، زحفت المرأة نحو الخلف وهي تبكي بسبب الرعب الذي أصابها بعد رؤية الجندي الذي حاول بدوره التخفيف عنها ولكنها كانت هي الأخرى لا تفهم شيئاً مما يقول .
    كان العرق يتصبّب من كليهما ، احتار الجندي في أمره : هل يقتلها أم يتركها ؟؟ أم يخلصها هي و الجنين الذي في بطنها ؟؟ و قد قطعت صرخة المرأة سلسلة أفكاره ، التفت نحوها ، كانت في حال يرثى لها ، خفق قلبه و صار يسمعه بوضوح كأنه صعد من صدره إلى أذنيه .
    ازدادت صرخات المرأة و توجعاتها ، ماذا يفعل ؟؟عليه أن يتخذ قراراً سريعاً ، و بالفعل .. وضع سلاحه جانباً ، خلع معطفه والحقيبة ، و أيضاً قبعته العسكرية التي كانت تخفي شعره الأصفر الناعم اللامع .
    إنه يفعل هذا لأول مرة في حياته ، مع أنّ أمنيته كانت أن يصبح طبيباً نسائياً ، إلا أنه أقلع عن الفكرة عندما ماتت أمه على يدي طبيب و هي تلد أخته الصغرى .. فسُجن الطبيب ومُنع من ممارسة مهنته ، وبالإضافة لكلّ ذلك فقد كانت معلوماته ضئيلة عن هذا الموضوع ، لكنه استسلم لقدره الذي كتب عليه الوقوع في هذا الموقف ، كانت المرأة تعضّ كُمّ ثوبها وقد تبعثر شعرها على الأرض ، كان تنفسها سريعاً كما لاعب سباق الماراثون ..
    سُمعت أصوات إطلاق الرصاص من الرشاشات إلى جانب انفجارات سببتها الرمانات اليدوية .
    كان الجو متوتراً مرعباً و مدعاة للخوف والقلق ، أحسّ الجندي بأن رأسه يدور وأضلاعه تضغط على رئتيه ، ثم ... تلاشت كلّ تلك الأصوات وهدأ الجو ، إلا صرخة طفلٍ عكّرت سكون المكان ..
    سارع الجندي الشاب بقطع المشيمة بسكينٍ في جيبه ، ثم لفّ الطفل بمعطفه الجلدي الأسود ، نظر إلى المرأة باسماً ، لكنها قابلته بنظرات خوف ممزوجة بقلق ودهشة واستنكار .
    فجأةً راحت ترتجف ، لقد أُصيبت بحمى النفاث ، كان يعرف ذلك ولكنه لم يكن يعرف الجزء الأهم وهو كيفية المعالجة .
    قام بسرعة بخلع سترته وألقاها على جسد المرأة علّها تعطيها بعضاً من الدفء ، وراح يسقيها من الماء الذي بحوزته .
    تُرى كيف يتخلّص من هذا الموقف اللعين ؟؟ هل يُعتبر هذا كافياً ؟؟ أيعود إلى مكان تمركز جماعته ؟؟.. أم ينتظر هنا مع هذه المسكينة حتى تجتاز محنتها ؟؟
    و راحت أسئلة كثيرة من جديد تقطع مسافات متعرجة في تلافيف دماغه ، حتى أنه لم ينتبه إلى المرأة التي لم تعد تنطق شيئاً ..
    أخذ يضربها على وجهها علّها تصحو و لكن دون جدوى ، فقد قُضى الأمر .
    و الآن هو متورط بالطفل ، أيقتله ؟؟ أم يتركه ؟؟ أم يأخذه معه ؟؟؟؟
    إن قام بقتله ، فأي ذنب ارتكبه الطفل بحقه كي يفعل ذلك ؟؟ و إن تركه فربّما يأتي من يقتله .. أو تنهشه كلاب ضالّة ، أو تقرضه الجرذان فهي تظهر في الخرائب ..
    أما إن أخذه معه ، فما الذي سيقوله لرفاقه ؟؟ مؤكد أنهم سيسخرون منه لطيبة قلبه ، و إن تحاشاهم ، فكيف له أن يبرر تصرفه أمام قائده الذي سيقوم بالطبع بقتله هو والطفل ..
    حسناً ربما ينجح في إخفائه حتى يعود لوطنه ، و لكن ماذا سيقول لزوجته التي تنتظره ؟؟ بالطبع لن تصدق روايته الغريبة هذه .
    ارتدى بزته العسكرية ، حمل حقيبته وسلاحه ، نظر حوله حتى وقعت عيناه على الطفل ، شعر بأن شيئاً ما يتمزق في داخله ، لكنّ كلمات قائده رنّت في أذنه مثل منبّه الساعة المزعج :
    لا ترحموا أحداً منهم ... إنهم لا يستحقون الشفقة ... على كلّ جندي أن يقوم بمهمّته على أكمل وجه ...
    أدار ظهره ومشى ، صرخ الطفل باكياً ، ثم شعر هو أن سائلاً دافئاً و مالحاً قد شقّ طريقه على خديه ..
    توقّف بعد مسافةٍ مناسبة .. اختبأ خلف كومة من الحجارة كانت تشكل فيما مضى منزلاً عامراً بأهله ، والكثير من الأغراض و مستلزمات المعيشة ..
    ابتسم بسخرية ، ثم أخرج من حقيبته كرة معدنية عُلّقت في رأسها حلقة .. أمسكها بقوة في يده اليمنى و سحب تلك الحلقة بأسنانه ، ثم ألقاها بعيداً ليُسمع صوت انفجارها ، ثم تراكم الحجارة و تطاير الشظايا .
    عندها فقط لم يعاود الطفل البكاء ، ولن يعاوده مرة أخرى ....
    نهض و حثّ الخُطى مسرعاً ليترك هذا المكان البائس ، لكنّ تلك الصورة لن تغيب عن ناظريه أبداً ، طالما هو على قيد الحياة ...

  2. #2
    عضوة جديدة الصورة الرمزية الحور العين3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    في بيتي
    المشاركات
    29
    معدل تقييم المستوى
    13
    [click=أنقر هنا لترى الرد]مشكورة على هذا الموضوع الرائع وأتمنى أن تكوني من أهل الجنة[/click]
    [fot1]حبايبي حاولوا أنكم تتواصلون معاي على طول من خلال أي شئ وشكراً[/fot1]

    عذرا اختي

    يمنع وضع صور لنساء

    من مواضيع الحور العين3 :


  3. #3
    محررة مبدعة الصورة الرمزية الريتــــاج
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    بدار حكمها بيوم جابر
    المشاركات
    5,748
    معدل تقييم المستوى
    19

    دلال اسحق

    قصة مؤلمه بسلوب رائع


    أسأل الله لك التوفيق


    بارك الله بك


    ::::

    ::

    ريتــــــــــــــــاج

  4. #4
    عضوة قمة الصورة الرمزية دلال اسحق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    152
    معدل تقييم المستوى
    13
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الحور العين3 مشاهدة المشاركة
    [click=أنقر هنا لترى الرد]مشكورة على هذا الموضوع الرائع وأتمنى أن تكوني من أهل الجنة[/click]
    شكراً على مرورك .
    وأرجو أن تكوني أنت أيضاً من أهل الجنة .

المواضيع المتشابهه

  1. ما كتبتها إلا لك،،
    بواسطة التفاؤل شعاري في المنتدى منتديات اسلامية,( على منهج أهل السنة والجماعة)
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 05-06-2011, 10:38 PM
  2. أفيقوا وأنتبهوا وأنتفضوا ... يا أبناء العراق
    بواسطة البابليه في المنتدى المجلس العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-06-2010, 11:09 AM
  3. كتبتها لكــــــــــــ.................
    بواسطة أمواج الأنين في المنتدى قصائد , خواطر , لـــــ لمنقول ( مما راق لي )
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 27-07-2008, 09:01 AM
  4. كلمات كتبتها بخط يدي
    بواسطة وحيدة كا القمر في المنتدى اسرار البنات
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 15-07-2007, 05:00 AM
  5. طفلك من الثانية إلى العاشرة ( الحلقة الأولى)و(الثانية)000
    بواسطة *الشهد* في المنتدى حواء وطفلها
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 30-05-2007, 02:24 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر

مواقع النشر

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

أهم المواضيع

المطبخ

من مواقعنا

صفحاتنا الاجتماعية

المنتديات

ازياء | العناية بالبشرة | رجيم | فساتين زفاف 2017 | سوق نسائي | طريقة عمل البيتزا | غرف نوم 2017 | ازياء محجبات | العناية بالشعر | انقاص الوزن | فساتين سهرة | اجهزة منزلية | غرف نوم اطفال | صور ورد | ازياء اطفال | شتاء | زيادة الوزن | جمالك | كروشيه | رسائل حب 2017 | صور مساء الخير | رسائل مساء الخير | لانجري | تمارين | وظائف نسائية | اكسسوارات | جمعة مباركة | مكياج | تسريحات | عروس | تفسير الاحلام | مطبخ | رسائل صباح الخير | صور صباح الخير | اسماء بنات | اسماء اولاد | اتيكيت | اشغال يدوية | الحياة الزوجية | العناية بالطفل | الحمل والولادة | ديكورات | صور حب | طريقة عمل القرصان | طريقة عمل الكريب | طريقة عمل المندي |